فهرس الكتاب

الصفحة 2619 من 3028

ولا يجوز الخلط بين هذه المؤسسة العلمية المقترحة وبين لجنة ( موسوعة) الرد على المستشرقين ) التي سبقت الإشارة إليها. فلجنة الموسوعة لجنة مؤقتة لإنجاز مهمة محددة، أما هذه المؤسسة فهي مؤسسة دائمة ولها مهام متعددة .

وقد سبق لنا أن طالبنا في كتاب سابق (154) بضرورة إقامة هذه المؤسسة العلمية. وكان من بين ما قلناه في هذا الصدد: (.. إن هناك ضرورة ملحة لإقامة مؤسسة إسلامية عالمية للبحوث العلمية الإسلامية ، تكون بعيدة كل البعد عن أية تيارات سياسية أو دعائية ويتكون أعضاؤها من صفوة الباحثين الإسلاميين في شتى المجلات بصرف النظر عن جنسياتهم ، في حدود مائة عضو يتوزعون إلى مجموعات عمل يتوفر كل فريق منها على دراسة قطاع معين من قطاعات الفكر الإسلامي ، وتخطط هذه الصفوة أيضًا للبحوث الإسلامية في جامعات العالم الإسلامي ، فتصل الماضي بالحاضر وتجدد شباب تراثنا وتجنده لخدمة الحياة الإسلامية المتجددة ) .

وعبرنا عن الأمل في أن تكون هذه المؤسسة العلمية ( أكاديمية حية تشع النور في كل الأرجاء وتغذي المسلم في كل أنحاء العالم بالغذاء الفكري الصحيح، وتنقل دعوة الإسلام في صفائها ونقائها إلى شعوب الأرض ولا تكون تكريرًا لأي من الهيئات الإسلامية الحالية التي تجمع في المناسبات على شكل مؤتمرات لإصدار بيانات لا حياة فيها ولا روح ، ولا أثر لها في حياة المسلم ولا تأثير. والأمل أن تكون تلك الأكاديمية الإسلامية هيئة ربانية لا مجال فيها للأهواء. ولا نقصد بذلك أن تكون هيئة كهنوتية أو بابوية فهذا لا مجال له في الإسلام، ولكننا نريدها هيئة ذات قداسة ، لا بأسماء من يعملون فيها، ولكن بما تقدمه من خير للناس .( فأما الزبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) ( الرعد: 17 ) .

وهكذا يمكن لمثل هذه المؤسسة أن تقف بالمرصاد لكل التيارات المناوئة للإسلام أيًا كان مصدرها، وأيًا كانت اتجاهاتها. ومن أجل ذلك لا بد أن يكون لها جهاز لمتابعة كل ما ينشر في العالم من بحوث تتعلق بالإسلام والمسلمين. ويمكن لهذه المؤسسة أيضًا أن تتبنى تيارًا للاستشراق يقوم بدراسة تراث الغربيين ونقدهم من دين وعلوم وحضارة . وقد عبر الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله عن هذا الأمل فقال: ( سيأتي يوم ننقلب فيه نحن إلى دراسة تراث الغربيين ونقد ما عندهم من دين وعلوم وحضارة ، وسيأتي اليوم الذي يستعمل فيه أبناؤنا وأحفادنا مقاييس النقد التي وضعها هؤلاء الغربيون ، في نقد ما عند هؤلاء الغربيين أنفسهم من عقيدة وعلوم، فإذا هي أشد تهافتًا، وأكثر ضعفًا مما يلصقونه اليوم بعقيدتنا وعلومنا . ترى لو استعمل المسلمون معايير النقد العلمي التي يستعملها المستشرقون في نقد القرآن والسنة، في نقد كتبهم المقدسة وعلومهم الموروثة، ماذا كان يبقى لهذه الكتب المقدسة والعلوم التاريخية عندهم من قوة؟ وماذا يكون فيها من ثبوت ؟ ) . ثم يقول الدكتور السباعي أيضًا:

( كثيرًا ما أتمنى أن يتفرغ منا رجال للكتابة عن هذه الحضارة( الغربية ) وتاريخ علمائها بالأسلوب نفسه الذي يكتب به المستشرقون من تتبع الأخبار الساقطة ، وفهم النصوص على غير حقيقتها، وقلب المحاسن إلى سيئات،والتشكيك في كل خير يصدر عن هؤلاء الغربيين. ولو حصل هذا لخرجت منه صورة لهذه الحضارة ولرجالها مضحكة مخزية ينكرها المستشرقون قبل غيرهم .. ) (155) .

وفكرة إنشاء اتجاه مقابل للحركة الاستشراقية سبق أن أثيرت في بعض المؤتمرات الإسلامية. ويشير المستشرق ( رودي بارت ) إلى ذلك بقوله:

(.. ولا بأس من أن ننتهز هذه الفرصة فنثير سؤالًا، ولو من ناحية المبدأ، هو السؤال عن إمكانية أن ينشأ في الناحية الأخرى، أي في العالم العربي الإسلامي، اتجاه للبحث، شبيه بالدراسات الإسلامية عندنا، ولكن في الوجهة المقابلة، يهدف إلى دراسة تاريخ الفكر في العالم النصراني، الغربي وتحليله بطريقة علمية.. وقد دعا الدكتور محمد رحبار في المؤتمر الإسلامي العالمي الذي انعقد في لاهور في ديسمبر( كانون الأول ) 1957م / يناير ( كانون الثاني ) 1958م، بحماس إلى هدف من هذا القبيل، ولكنه لقي معارضة شديدة ) (156) .

وعلى أية حال فإن هذه مسألة جانبية لا يجوز أن تشغلنا عن الهدف الأساسي للمؤسسة العلمية المقترحة، فهي مسألة تعد الآن ـ في نظرنا ـ ترفًا فكريًا لم يحن وقته بعد، ويمكن التفكير فيها في مرحلة أخرى تالية.

أما الآن فإن هناك أولويات أمام العمل الإسلامي لا بد أن تؤخذ في الاعتبار وتوضع في الحسبان حتى لا نخطئ الطريق الأسمى، وهو خدمة الإسلام وبناء الحياة الإسلامية على أسس إسلامية متينة والنهوض مرة أخرى دينيًا وثقافيًا وحضاريًا .

[3] دائرة معارف إسلامية جديدة ..

ومن بين الأولويات العلمية الملحة مشروع إصدار دائرة معارف إسلامية جديدة. فلا يجوز أن نظل نقتات فكريًا من دائرة المعارف الإسلامية التي قام بإعدادها المستشرقون قبل الحرب العالمية الثانية. فقد تجاوزها المستشرقون وانتهوا منذ بضع سنوات من إصدار دائرة إسلامية جديدة. وواجبنا نحن المسلمين أن نقوم بإصدار دائرة معارف إسلامية باللغة العربية واللغات الأوروبية الرئيسة، تقف على الأقل في مستوى دائرة المعارف الإسلامية للمستشرقين تخطيطًا وتنظيمًا وتتفوق عليها علميًا، وتنقل وجهة النظر الإسلامية في شتى فروع الدراسات الإسلامية والعربية إلى المسلمين وغير المسلمين على السواء. فكل فراغ فكري لدينا لا نشغله بأفكار من عندنا يكون عرضة للاستجابة لأفكار منافية، وربما معادية لأفكارنا، فلا نلومن إلاّ أنفسنا .

وينبغي ألا يغيب عن الأذهان أن دائرة المعارف الإسلامية المقترحة تختلف عن ( موسوعة الرد على المستشرقين ) . فالموسوعة محدودة في إطار الرد على شبهات معينة أثارها المستشرقون، ومناقشة هذه الشبهات وتفنيدها. أما دائرة المعارف الإسلامية المطلوبة فهي عامة وشاملة لكل جوانب الإسلام والفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية بوجه عام .

وبالإضافة إلى ذلك يمكن إصدار موسوعات أخرى متخصصة مثل موسوعة للفقه الإسلامي وموسوعة للحديث النبوي وموسوعة للتاريخ الإسلامي .. الخ وينبغي أن يكون هناك تنسيق بين المؤسسات العلمية في العالم الإسلامي بشأن هذه الموسوعات المختلفة حتى لا تتوزع الجهود وتتكرر الأعمال. فهذا التكرير ـ بكل أسف ـ هو ما يحدث الآن بالفعل، إذ تقوم أكثر من دولة إسلامية وأكثر من جهة علمية بعمل موسوعات للفقه أو الحديث. ومن الخير للإسلام والمسلمين أن تتوحد الجهود وتتوفر الإمكانات على إنجاز أعمال غير مكررة. فهذا التكرير يحبس جهود مجموعة من العلماء لسنوات عديدة. وقد كان من الممكن ـ لو صحت العزائم وصدقت النيات ـ أن تتجه هذه الجهود إلى مجالات إسلامية أخرى تنتج فيها أعمالًا ليس لها نظير في جهة أخرى في العالم الإسلامي .

وهكذا ينبغي أن تخرج هذه الأعمال العلمية الإسلامية عن دائرة التباهي والتفاخر بين الدول الإسلامية . فالتنافس في الخير وفي العلم مطلوب، ولكن تبديد الجهد والوقت والمال في أعمال مكررة أمر يجب أن نكف عنه فورًا خدمة للدين الذي نؤمن به والذي هو في أمس الحاجة إلى كل دقيقة من وقت علمائه، من أجل تقديم عمل نافع للأجيال المسلمة التي تنتظر الكثير من علماء المسلمين حتى تستطيع أن تواجه شتى التيارات الفكرية التي تحيط بها من كل جانب .

[4] جهاز عالمي للدعوة الإسلامية ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت