فهرس الكتاب

الصفحة 1561 من 3028

ولهذا لم يكن أهل السنة يقبلون أنصاف الحلول من أهل البدع والمصطلحات الفاسدة ، بل كان منهجهم في جميع العصور وفي حالات الضعف والقوة هو حماية الثوابت والمُحكمات الشرعية ، وإحياء منهج العلم الشرعي وضبط الفتوى ، والالتزام بخصوصية هذه الأمة وتجديد الاعتصام بالكتاب والسنة ، والتحذير من نفاة الثوابت والمُحكمات المحرفين لمدلولاتها .

إن نفاة المُحكمات والثوابت هم الذين يريدون أن يعطلوا الأحكام الشرعية ، ويحولوا الإسلام إلى وجهة نظر بحجة الرأي والرأي الآخر يعملون لكي تحل المصطلحات الحادثة والمفاهيم الغريبة محل الأسماء الشرعية ، والأهواء محل العلم الشرعي ، والجهال محل العلماء .

وما زالوا يستغلون الفتن المعاصرة ، والتغيرات العالمية ، والتقنية والتطور لإقناع المسلمين بالخروج عن شريعتهم ومحكماتهم وثوابتهم .

ومن الفتن الفكرية التي زينوها للناس ما يلي:

-تحكيم المتغيرات في الثوابت.

-تقديم المصطلحات والمفاهيم الغربية الحادثة على الأسماء الشرعية .

-توسيع دائرة الحرية وإطلاق الرأي والرأي الآخر المخالف للاجتهاد الشرعي ، وتسويغ الفتوى بفير علم .

-إنكار خصوصية وثوابت هذه الأمة .

-دعوى أن الخصوصية والثوابت الشرعية تنافي التطور والأخذ بالتقنية وأسباب النهضة .

*وهذه الأساليب والمفاهيم التي تبناها نفاة الثوابت اليوم استنكرها أهل السنة بالإجماع .

فنلاحظ من خلال الاستعرض التاريخي لبعض الفتن الفكرية أنها تقوم على أساس المصطلحات الحادثة المخالفة للأسماء الشرعية ، ومن ثم كانت سببًا لتغيير المفاهيم والعقائد ، وسببًا لتفكيك العالم الإسلامي ، والدولة الإسلامية .

ومن أبرز النتائج الخطيرة لهذه المصطلحات الحادثة ما يلي:

1/ تغيير الاسم الشرعي = ( التشريع البشري )

2/ محاولة تفكيك تجمع المسلمين وتغيير محكماتهم وثوابتهم وعزلهم عن شريعتهم وعقيدتهم .

3/ محاولة إعادة تجميع المسلمين على فتن بدعية أو شركية تقوم على مصطلحات حادثة مخالفة للأسماء الشرعية.

4/ تفكيك الدولة الإسلامية والعالم الإسلامي .

والنتيجة الثانية والثالثة مشتركة مع تخطيط الأعداء من الكفار من الخارج العالم الإسلامي والمنافقين من داخله وإن اختلفت الأساليب .

إن أخطر ما يواجه الإصلاح الحقيقي اليوم هو تلك الفتنة الفكرية التي يروج لها الغرب وينخدع بها كثير من المسلمين باسم الإصلاح والتجديد والتطوير ، والواجب على العلماء والدعاة والمصلحين الحقيقيين التحذير من هذه الفتن الفكرية ، وجمع الأمة على: الاعتصام بالكتاب والسنة ، وتجديد وإحياء أصول أهل السنة، ولزوم الأسماء الشرعية والمصطلحات العلمية التي التزم بها أهل العلم في مجال العقيدة والعبادة والمعاملة والسياسة والأخلاق والدعوة ، وهؤلاء هم أئمة أهل السنة والجماعة الذين حفظ الله بهم العلم ومنهج التلقي ، حتى أصبحت الأسماء الشرعية والمصطلحات العلمية لأهل السنة ثابتة في جميع العصور ، لا يضرها كيد الكائدين ولا حقد الحاقدين ولا تأويلات المتأولين ولا تبديل المبدلين: ( وتمت كلمت ربك صدقًا وعدلًا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم )

وإذا أردنا أن نستفيد من منهج أهل السنة في العلم والدعوة والتربية فلا بد من إدراك واقع هذه الفتنة وخطورتها ،ومعرفة العلاج الذي يقدمه أهل العلم في كل عصر ، وهو التعريف بالأسماء الشرعية وإحياء حاكمية الشريعة والعلم الشرعي ، وفي الوقت نفسه التحذير من المصطلحات الفاسدة والعقائد الباطلة ، وتحديد الموقف الشرعي على هذا الأساس .

د. عابد بن محمد السفياني / من كتاب: موقف أهل السنة والجماعة من المصطلحات الحادثة ودلالاتها

أثر الاجتهاد في المحافظة على منهاج الأمة وعقيدتها

مجلة البيان - (ج 25 / ص 16)

د . عابد السفياني

المحافظة على التزام هذه الأمة بعقيدتها ومنهجها:

إن المجتمع الإنساني لا بد له من الحركة والنمو ، لأن هذه هي طبيعة الإنسان

الذي كلف بمهمة إقامة الخلافة على هذه الأرض ... ويشترك المجتمع الإسلامي مع

سائر المجتمعات التي تحكمها المِلل الأخرى في هذه الخاصية ويفترق عنها في أمور

منها:

أ-أن المجتمع الإسلامي يمثل الأمة الواحدة للبشرية جمعاء ، فلا يعرف

القوميات ، بل يعيش الناس فيه أمة واحدة ولو كانوا من شعوب وقبائل مختلفة .

ب -أن مهمته إقامة الخلافة على الأرض طبقًا للمنهج الرباني لا كما تصنع

المجتمعات الأخرى في إعراضها عن هذا المنهج .

ج -أن مهمته القوامة على البشرية:[ وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطًا لِّتَكُونُوا

شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس ] [البقرة: 143] .[ ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ

ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ] [آل عمران: 104] .

فهو مجتمع يشترك مع المجتمعات المخالفة له في خاصية الحركة والنمو

والتأثر والتأثير ، ويفارقها في كونه مجتمع عقيدة ربانية ومنهجًا إسلاميًا مهمته إقامة

الخلافة على الأرض والقوامة على البشرية ... ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بطريق

الاجتهاد .

فالاجتهاد وهو عنوان ( الحركة والنمو ) هو السبيل الوحيد لحفظ توازن

المجتمع الإسلامي ، ولا يقوم إلا بعد عمل وتفقه ينتشر ليغطي أكبر مساحة من

المجتمع الإسلامي ، وهذا طريق لحفظ رسالته ، ومن هذا الجهد ينشأ عمل خر على

مستوى أكبر يتدرج حتى يسلمنا إلى مرحلة وجود المجتهدين ... وإلى هنا يتحقق لنا

أمران:

أ - قيام المجتمع بنشر الوعي الديني عن طريق تفقه الأمة في العلم .. وهذه

هي القاعدة التي ينبني عليها ما بعدها .

ب -ظهور صفوة من الفقهاء يمثلون أهل الاجتهاد .

وبهذا يحفظ توازن المجتمع الإسلامي فحركته ونموه الطبيعيان اتجها اتجاهًا

سليمًا ونتج عن ذلك عمل إيجابي فهو من جانب حفظ جهد الأمة من أن يضيع

وينحرف ، ومن جانب آخر حمل الأمة على أداء رسالتها الخاصة بإقامة مجتمعها

على المنهج الرباني .

ومجتمع كهذا لا بد وأن تنتشر رسالته لأنه قد مثلها في نفسه أحسن تمثيل ،

وهي رسالة الدين الخاتم الذي يحقق العدل الرباني في الأرض فإذا حدثت مرحلة

التأثر والتأثير أو قل: زادت وقويت فإن المجتمع الإسلامي يحمل معه عدته

وسلاحه ، ومن أعظم عدته وسلاحه ( الاجتهاد ) . إن المجتمع الإسلامي كما يريد

أن ينشر المنهج الرباني في الأرض - على الطريقة الربانية- فإن المجتمعات

المخالفة تريد أن تدس جاهلياتها وانحرافاتها في المجتمع الإسلامي أو تقذفها فيه ...

وهي لا تصنع ذلك إلا وهو محفوف بكثير من المغريات المادية التي تشتمل على

نفع محض بل وفيها حاجيات وضروريات ، وقد يكون المجتمع الإسلامي في بعض

الأحيان لا يمتلكها ولم يقدر بعد على تصنيعها .. وهنا إن لم يكن المجتمع الإسلامي

يملك عدة ( الاجتهاد ) يضعف أمام هذه المغريات ثم يفقد توازنه ويبدأ تأثير الغزو

الفكري يعمل عمله فيه ، وأما إن كان يملك هذه العدة فإن موقفه سيكون إيجابيًا

ونذكر من آثار هذا الموقف ما يؤكد ضرورة الاجتهاد للمجتمع الإسلامي ومنها:

1-أثر الاجتهاد في رفع معنوية الأمة وزيادة إيمانها بمنهجها الرباني . بيان

ذلك: أن الأمة التي تبذل جهدها في بناء أفرادها على منهجها الخاص عن طريق

التربية والتعليم ونشر مفاهيم دينها نشرًا صحيحًا وتعرف رسالتها حق المعرفة ؛ أمة

ولاشك قوية معنويًا ، وهذه هي القاعدة التي ينبثق عنها الاجتهاد كما سبق وأن قلنا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت