فهرس الكتاب

الصفحة 1204 من 3028

إخوةَ الإسلام، ولعلَّ أخطرَ حروبِ المفاهيم التي بُليَت بها الأمّة المفاهيمُ العقدية في تحقيق معنى الشهادتين وتوحيدِ العبادة والأسماء والصفاتِ والقضاء والقدر والولاء والبراء والشّرك والتوسُّل والتبرُّك والشفاعة والولاية والجماعة والتكفير والغلوّ والمحبّة والخصائص النبويّة والموقف من الصحابة وما يكون في اليوم الآخر ونحو ذلك، كما أن مفاهيمَ العبادات والمعاملات والعقودِ والقضاء وتمييز الأحكام والنظرة إلى الإنسان والكون والحياة وعمارةِ الأرض، إضافةً إلى مفاهيم الدعوةِ والحسبة والجهاد، وقضايا الفكر والثقافة والحرية، وقضايا الشباب والمرأة والحجاب والحوار والإصلاح والنوازل والمستجدّات المعاصرة، كلُّ هذه مما يحتاج إلى تأصيلٍ شرعيّ للمفاهيم الصحيحة وفقهٍ واقعيّ يُعنى بما يُسمّيه أهل العلم كالشاطبي وغيره فقهَ المآلات وكذا فقه الأولويات وفقه المرحلة التي تمرّ بها الأمّة من حيث القوةُ والضعف كما نصّ على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في عنايةٍ بالنصوص وضبطٍ للاستدلال وصحّة في الاستنباط وحسن توظيفٍ لمقاصد الشريعة وقواعد الفقه فيها.

إنّها دعوةٌ صادقة لتصحيح المفاهيم الخاطئةِ عن ديننا وشريعتنا، تبدأ أوّلًا من أنفسنا نحن أهل الإسلام وإخواننا في تصحيح عقيدتنا وتصوّراتنا ومفاهيمنا، ثمّ مع غيرنا في تصحيحِ صورةِ الإسلام المشوَّهة مع شديد الأسف لدى كثيرٍ من شعوب العالم.

لا بدّ من تصحيح منهَج التلقّي في الفهم لهذا الدّين القويم الذي أصابه خللٌ ذريع عند فئام من النّاس، فما بال أقوامٍ اختلطت عندهم الأفهامُ وداخلها الخلطُ واللَّبس والإيهام، وعُزلت عن نور الوحي ومشكاة سنّة سيّد الأنام، وكرَعت في أوحال الضلالات والأوهام، وخيَّم عليها فسطاطُ الأباطيل والإظلام، حتى توارت المفاهيم الصحيحةُ في أنفاق مظلمةٍ من المفاهيم الغريبَة، وغرقت كثيرٌ من أشرعَة المناهج السليمة في بحارِ ومستنقعات المناهج السقيمة، ممّا يتطلّب من رُبّان سفينة هذه الأمّة من أهل العلم والعقل والدعوةِ والإصلاح العملَ بجدٍّ في إصلاح المفاهيم وربط الأمّة بمفاهيم خير القرون عليهم من الله الرحمة والرضوان، يقول الإمام الشافعي رحمه الله:"وآراؤهم لنا ـ يعني الصحابة ـ أحمدُ وأولى لنا من آرائنا عندنا لأنفسنا" (9) [9] ، ويقول الإمام أحمد رحمه الله:"حبُّهم ـ أي: الصحابة ـ سنّة، والدعاء لهم قُربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارِهم فضيلة" (10) [10] ، ويقول الإمام الشاطبي رحمه الله:"يجب على كلِّ ناظر في الدليل الشرعيّ مراعاةُ ما فهِم منه الأوّلون وما كانوا عليه في العمل به، فهو أحرى بالصّواب، وأقومُ في العلم والعمل" (11) [11] .

ولئن طالبَ كلٌّ بتصحيح مفاهيم غيرِه فإنّ الفيصلَ في ذلك فهمُ السلف الصالح رحمهم الله، والله عزّ وجلّ يقول: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْء فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10] ، ويقول سبحانه: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59] .

ألا فاتقوا الله عبادَ الله، وتمسّكوا جميعًا بالكتاب والسنّة، واتَّحِدوا على فهمِ سلف الأمّة، تسعَدوا وتفلِحوا في دنياكم وأخراكم.

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي سيّد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه كان للأوّابين غفورًا.

الخطبة الثانية

الحمد لله، شرع الشرائعَ وأحكَم الأحكام، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريكَ له الملك القدوس السلام، وأشهد أنّ نبيَّنا محمّدًا عبد الله ورسوله سيّد الأنام، هو للأنبياء بدرُ التمام ومِسك الختام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه البررَة الكرام، الموصوفين بقوّة الإيمان وصحّة الأفهام، والتابعين ومن تبعهم واقتفى أثرهم بإحسان إلى يوم القيام للملك العلام، وسلّم تسليمًا كثيرًا.

أمّا بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنّ أصدقَ الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هدي محمّد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.

أيّها الإخوة الأحبّة في الله، وحتى لا تختلطَ المفاهيم ينبغي تشخيصُ الداءِ ووصف الدواء.

إنّ من أهمِّ أسبابِ اختلال المفاهيم الجهلَ واتباع الهوى والتعصّب والتحزّب المقيتَ وإيثار الدنيا وطلب محمدَة الخلق وضعفَ الإيمان وتركَ التقوى واللهَث وراء حبّ الظهور والشهرة، كما أنّ منها تركَ المحكمات واتباع المتشابه وتصيّد الشواذّ من المسائل وتقفُّر العلم. أخرج الشيخان في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها أن النبيّ قال: (( إذا رأيتُم الذين يتّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذروهم ) ) (12) [1] ، وروى الدارمي والدارقطني وغيرهما عن عمر رضي الله عنه قال: (إنّه سيأتي ناسٌ يجادلونكم بشبهاتِ القرآن، فخذوهم بالسنن، فإنّ أصحاب السنَن أعلمُ بكتاب الله) (13) [2] .

وهاك ـ يا رعاك الله ـ سلسلتَهم الذهبيةَ من صحابةِ رسول الله وتابعيهم بإحسان والأئمة الأربعة والأوزاعيّ والليث والسفيانين وأئمةِ الحديث وشيخ الإسلام ابن تيمية وإمامِ الدعوة الإصلاحية رحمهم الله جميعًا.

كما أنّ من أسباب اختلال المفاهيم عدمَ الرجوع إلى أهل العلم المعتَبرين، يقول عزّ وجلّ: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِى الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83] ، وحداثةُ السنِّ مظِنّة سوء الفهم في الغالب، وحدِّث ولا حرج عن التأويلات الفاسدة.

واليومَ في عصر الإعلام والفضائيّات وثورةِ الثقافات والمعلومات تولّت فضائيّات تدّعي الحريةَ والاستقلال التشكيكَ في المفاهيم الصحيحة لهذه الأمّة والطعنَ في رموزها والتلاسُن الكلاميّ والتراشق الإعلاميّ والتنقُّص لثوابت الأمّة ومسلَّماتها والتعرّض بالنّقد والثَّلب والمحاكمة لفضلائها وعُظمائها، ولكلّ قومٍ وارث، ممّا يثير البلبلةَ ويُشكِّك في المسلّمات وينشُر الفوضى الفكريّة ويهدِم البُنى الصحيحةَ لفكر الأمّة وموروثها الحضاريّ.

أمّا العلاج ـ يا رعاكم الله ـ فيكمُن في حُسن القصد وتحرِّي الحقّ وتقوى الربّ والوقوف حيث وقف الأسلاف، فإنهم عن علمٍ وقفوا، وببصرٍ نافذٍ كفّوا، وإلا ففِتن المفاهيم بحرٌ سحيق لا ساحلَ له، فكم من فاتن فيها بعلم، ومفتون عنها بتقليد، وقد جمع هذا الزمانُ وأهلُه كثيرًا من صوَر المفاهيم الخاطئة، وما اجتمعت في عصرٍ كاجتماعها وتوارُدها في هذا العصر، حتى قلَّ الفقه فيها، وعظُمت المجاهدةُ لها، وما ذلكم إلا لأنّ أصحابَ المفاهيم الخاطئة يرَون الصوابَ حكرًا على أنفسهم، أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء [فاطر:8] . وكم وصَفوا أهلَ المفاهيم الصحيحة بالأوصافِ الشنيعة، فرمَوهم بالمجسِّمة والحشوية والوهّابية بأَخَرَة، وكم عيبَت الأقوال الصحيحةُ بالفهوم السقيمة. وما على المرءِ إلا نحتُ القوافي من مقاطعها، وما عليه إذا لم يفهمِ البشَر؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت