فهرس الكتاب

الصفحة 2045 من 3028

استطاع الاستعمار أن يتخفى تحت قناع ثورة المعلومات، ويدس لنا السم في العسل، فمثلًا الإنترنت (شبكة المعلومات الدولية) لا يخفى ما لها من أهمية، لكنها تعد مصدر خطورة لنا، وذلك أننا نستخدمها دون فكر يديرها، كما تحوي هذه الشبكة معلومات ومواقع تروج لثقافة الغرب، فكل فكر متأثر بثقافة المنشأ، فهذه الشبكة تكرس إذن ثقافة الغرب ولغته، فتقريبًا (88%) من المادة المعروضة فيها باللغة الإنجليزية وحدها، و (90%) بالألمانية، و (2%) بالفرنسية (1) ؛ فأين نصيب اللغة العربية؟!

وللأسف فإن الاستعمار النفسي بزعامة أمريكا استغل ثورة المعلومات لهتك حريات الآخرين والتلصص عليهم معرفيًا وتقنيًا، والتنصت على الأفراد والدول، فها هو (إريه بن منشه) ضابط الاستخبارات الإسرائيلي، يعترف في كتابه (غنائم الحرب) بأن إسرائيل تمكنت من اختراق الشيفرة الإيرانية أيام الشاه (2) ، وكشفت تحريات صحفية عن وجود شبكة ضخمة للتجسس الإلكتروني شمالي إنجلترا صممتها وتشرف عليها وكالة الأمن القومي الأمريكي (NSA) ، ويطلق على هذه الشبكة اسم: (Echelon) . وهذه الشبكة صُممت للتجسس على الحكومات والشركات والأفراد، دون مراعاة لحرمة أحد (3) . إنها ديمقراطية الاستعمار النفسي، وأساليبه الخبيثة الدنيئة؛ فالغاية عنده تسوغ الوسيلة.

3 -قناع الاقتصاد والسياسة:

ويعمد هذا الاستعمار إلى تنفيذ أهدافه رغبًا أو رهبًا، فيعد بالامتيازات الاقتصادية تارة، وبخلق فرص مناسبة للاستثمار الاقتصادي تارة، وبحبوب المعونات الاقتصادية تارة أخرى، وكأن العلاقة بينه وبين المستعمَر بفتح الميم أشبه ما تكون بين الطيور الداجنة وربها (صاحبها) يلقي إليها الحبوب حتى إذا ما سمنت انتفع ببيضها أو تلذذ بلحمها، فإن أبت أن تلتقط الحب وثارت لكرامتها، كانت الضغوط السياسية والاقتصادية، وتحركت ثعالب المليارات اليهودية العملاقة في العالم لتكتم أنفاس هذه الطيور الأليفة وتؤدبها، فإما أن يعود إليها رشدها وتأكل لتسمن وتدر عليه فوائد الديون بشروطه الخاصة، أو أن تموت خنقًا، وينهار اقتصادها كما حدث مع النمور الآسيوية.

لغة الاستعمار النفسي:

وقد خيل إلى هذا الاستعمار النفسي لجبروته أنه سينتصر بالرعب (4) ، فيتحدث إلى أفراد مستعمرته بلغة الاقتصاد تارة، فتكون العقوبات الاقتصادية المجحفة، والحصار الاقتصادي الكافر بكل معاني الإنسانية والرحمة، وما الذي فعله بالعراق وليبيا والسودان منا ببعيد، ولا أحد يستطيع أن ينبس ببنت شفة، فالجميع ملتزم به حتى إخوتهم في العروبة والإسلام، ومن حاول كان مصيره التشرد والضياع. ونذرف الدموع عجزًا وهلعًا حينما نسمع وزارة الصحة العراقية في شهر مارس الماضي تعلن وفاة أكثر (9000) عراقي في فبراير من العام نفسه بسبب الحظر الاقتصادي، ليرتفع بذلك عدد القتلى منذ بدء هذا الحصار إلى (1283118) شخصًا من بينهم نصف مليون طفل عراقي (1) !!.

ويستخدم لغة السياسة تارة أخرى، فيكون الوعيد والتهديد، والحملات الشعواء، والتقارير المزيفة، والاتهامات برعاية الإرهاب، والتحذيرات للشعب الأمريكي والرعايا الأجانب من دخول هذه الدولة أو تلك؛ لأنها تدعم الإرهاب، وتكبت الحريات، وتضطهد الأقليات، فليحيَ إذن قانون حماية الأقليات!!

4-الرعب العسكري والنووي:

فإن لم تُجْدِ لغتا الاقتصاد والسياسة نفعًا برزت لغة الرعب العسكري والنووي، وتحركت الأساطيل البحرية وحاملات الطائرات، والقنابل الذكية، وصواريخ (كروز) ، والغواصات النووية، فنراه يرسل لشعب العراق صواريخه ساعة المنام، ليشاركهم الاحتفال بشهر الصيام، ويتأسى لأحوال مرضى السودان وقلة الدواء، فليكن وجهة الصاروخ مصنع الشفاء!!!

وإذا كان البابا يوحنا بولس الثاني قد استغفر لمن مات من اليهود في المحرقة المزعومة، خلال زيارته بيت لحم يوم الأربعاء (22-3-2000م) (2) ؛ فمن يستغفر للأطفال الرُضَّع، والشيوخ الرُكَّع، والنساء المغتصبات في كل من العراق، وكوسوفا، والشيشان، وتركستان؟

يا رب قد عجز اللسان! وإذا كان الحاخامات لم يرضوا بما صنعه البابا، فنحن يكفينا الصمت، ونستلذ العجز، وليكن تجاوبنا الاحتجاج أو الشجب! فهذا التصالح بين الصهيونية والصليبية لصالح من؟ وضد من؟

5 -غفلة الأمة الإسلامية:

ومما شجع هذا الاستعمار على بسط نفوذه، وأعانه على تحقيق أهدافه غفلة الأمة العربية والإسلامية؛ فنحن أمة نكاد لا نستوعب دروس الأحداث الماضية، نعتمد على العاطفة دون أن تساندها خطط مدروسة وتحليلات علمية متأنية، وبعضنا يدير ظهره للماضي، ويرضى بالواقع، ويسقط المستقبل من حساباته، ومن وخزه ضميره فإنه يهرب من واقعه بالنكت تارة، وبالمباريات تارة، وبالأغاني والأعمال الدرامية تارة أخرى، حتى يظن من يشاهد قنواتنا الفضائية أننا أمة لا تعرف الهموم، وترفل في النعيم، وتبسط نفوذها على العالم أجمع!

عمليات غسيل المخ:

أضف إلى هذا سذاجة بعض أبناء الأمة حين ينبهرون بأقنعة الاستعمار، فيحسبون أنه قد جاء بالخير للبشرية بهذه العولمة، ويتحمسون لها، ويدعون إليها، لما يصاحبها من أحلام وردية، وقد يعذر هؤلاء؛ فقد عمد الاستعمار إلى إجراء عملية (غسيل مخ) لعقولهم، ثم أخذ يعيد صياغتها وفق أهدافه ومبادئه، فلا عجب حينئذ أن نرى من يحتفلون بذكرى الحملة الفرنسية على مصر، لما لفرنسا الصديقة في زعمهم من فضل إحداث نقلة حضارية بمصر تستحق عليها الشكر والتقدير، ولا غرابة أن نجد بعض العائدين من الدراسة بالغرب يثورون على مبادئهم الإسلامية والتقاليد العربية الراسخة، ويُروِّجون لأفكار الغرب دون تمييز بين الغث منها والسمين.

وقفة تأمل قبل فوات الأوان:

إن الأمر جلل، وإن الخطب لفادح، وما أحوج أمتنا إلى وقفة متأنية لتتفقد أحوالها، وتشخِّص أدواءها، وتتعرف أسباب كبوتها وضعفها!! فالأمراض النفسية من أشد الأمراض خطرًا على صحة الأمة؛ لأن المريض النفسي قد لا يشعر أنه مريض لخفاء مرضه، ومن ثم يترك المرض يستفحل ويستشري حتى يتمكن منه، وساعتها لن يجدي معه دواء، ولكن قبل أن نبحث عن الدواء فعلينا أولًا معرفة أسباب الداء؛ إذ"الوقاية خير من العلاج"، فنحن أمام استعمار داهية يجعل الحليم حيران، والقوي عاجزًا، والغافل عبرة للتاريخ، ومن هنا يقفز سؤال مهم إلى الذهن: ما أهم آليات هذا الاستعمار وخططه الاستراتيجية التي يحقق بها أهدافه الخبيثة؟

أساليب الاستعمار النفسي:

إن الاستعمار النفسي استعمار منظم الفكر عظيم الطموح؛ ولذا يتخذ أساليب ناجعة، ويرسم خططًا استراتيجية هادفة لتحقيق أهدافه المرجوة، واستغلال وسائله المتاحة أفضل استغلال.

من أهم أساليب الاستعمار النفسي:

1 -الدعاية: والدعاية باختصار هي"استخدام أي وسيلة إعلامية عامة أو شعبية، بقصد التأثير في عقول أفراد جماعة معينة أو في عواطفهم، من أجل تحقيق غرض عام معين، سواء كان هذا الغرض عسكريًا أو اقتصاديًا، أو سياسيًا، وذلك في إطار خطة موضوعة منظمة" (1) والدعاية أنواع؛ والذي يعيننا هنا منها الدعاية الرمادية التي تفسر الأحداث باللون الذي يناسبها ويخدم أغراضها (2) والدعاية السوداء هي التي تتخفى وتتنكر دون أن تعلن عن مصدرها الحقيقي (3) . وهذان النوعان دعاية هجومية تهدف إلى إقناع الآخرين والتأثير فيهم لكي يسلكوا اتجاهًا معينًا أو سلوكًا محددًا تحت تأثير الأفكار الدعائية، ويقبلوا وجهات نظر أصحاب هذه الدعاية، ويعتنقوا آراءهم وأفكارهم ومعتقداتهم (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت