فهرس الكتاب

الصفحة 1982 من 3028

معارضة التوراة والإنجيل ، وقد كان الغربيون في مواجهة الفكر الديني الأوروبي يصدرون عن خصومةٍ وهوى ، فلما جاؤوا به يواجهون التراث الإسلامي كانت خصومتهم أشد عنفًا ؛ فقد أرادوا بمكرهم إطلاق لفظ (التراث الديني) على تراث النصرانية واليهودية والفرعونية والإسلام وهو محض افتراء ؛ فالتراث الإسلامي لا يمكن أن يوصف بأنه تراث ديني فحسب ؛ وهو يشتمل على الآداب والعلوم والاجتماع . هذا من ناحية ، ومن ناحيةٍ أخرى فهناك فصل كامل بين تراث الإسلام وتراث الأمم قبل الإسلام ، ولا يمكن الجمع بينهما على النحو الذي يدعو إليه بعض

التغريبيين ؛ ذلك لأن الإسلام حين جاء أحدث فاصلًا عميقًا بين ماضي البشرية وحاضرها أطلق عليه المؤرخون اسم: (الانقطاع الحضاري) ، فقد قامت الحضارات الكبرى السابقة للإسلام اليونانية والرومانية والفرعونية والهندية والفارسية على أساس الوثنية وعبادة الفرد والرق ، وقد جعلت الرقيق عنصرًا أساسًا في بنائها ؛ بينما جاء الإسلام لهدم كل عبودية لغير الله تعالى .

ولقد كان من أوضح أهداف الغزو الفكري أن يرتاب المسلمون في تراثهم

الأصيل ، وأن يتحولوا عنه إلى فكر مطبوع بالطابع الغربي الوافد على النحو الذي قدمته دائرة المعارف الإسلامية التي حاول بها الاستشراق أن يكسب ثقة القارئ المسلم ، وأن تكون كتاباته في مجال الصدارة والمحل الأول بين مراجع الجامعات ، فيعتمدوها ويكتفوا بها على ما فيها من خلطٍ وتحريف ، وينسوا مع الزمن مراجعهم الأصلية . لذلك كان ينبغي لنا أن نسجل مجموعة من الحقائق الأساسية المتعلقة بالتراث الإسلامي:

أولًا: تميز تراثنا الإسلامي المتصل خلال أربعة عشر قرنًا عن تراث هذه المنطقة قبل الإسلام (الفرعوني والفارسي واليوناني والروماني) . هذا التميز يمثل في أزمنتنا المعاصرة تيارًا أساسيًا في مواجهة القومية والماركسية والليبرالية .

ولقد تقرر أن الإسلام بوصفه دينًا ربانيًا عالميًا جامعًا للروح والمادة لا يمكن أن يوضع في مجال المقارنة بالأديان أو المذاهب العقائدية الأخرى .

كذلك فإن الإسلام لا يقبل بالعلمانية التي تهدف إلى أن تفرغ المسلم من عقيدته ، وأن يترك بعض أحكام دينه أو يتجاوز عنها ، فضلًا عن أنها تعمل على تحويل الدين من نظام مهيمن إلى نظامٍ وضعي .

ثانيًا: أن التراث الإسلامي يتميز بخصوصية ذاتية في تكوينه تجعله مختلفًا عن التراثات الإنسانية بماضيها الأوروبي ؛ فهو تراثٌ تتصل منابعه الأولى بوحيٍ إلهي ؛ فيكفل حفظ مضمون الحياة ، وكل فروعه دائرة في فلك الإسلام الروحي والثقافي . وهو بهذا المفهوم ليس مماثلًا للحوادث التاريخية تحت أي ظرفٍ كان .

ثالثًا: القرآن والسنة لا يدخلان في مقولة التراث ؛ بل هما من الثوابت . أما التراث فيبدأ بعمل العلماء والفقهاء والمؤرخين . ويلتزم العمل الفكري والأدبي بالتحرك في إطار الثوابت . وعند النظر إلى التراث يجب أن تكون القواعد الأساسية التي قررها القرآن والسنة قائمة ؛ فإن النظريات الكلامية والاعتزالية والنصوص الفلسفية يجب أن يُنظر إليها في ضوء مفهوم أهل السنة والجماعة ورفض ما يتصل بالفلسفة اليونانية أو الفكر الغنوصي أو مذاهب الإشراق والباطنية .

رابعًا: كشف علماء الإسلام زيف منهج الفلسفة اليونانية وحذروا من مخاطره على مفهوم التوحيد الخالص ، وذلك منذ اليوم الأول لترجمة الفلسفات في القرن الثاني الهجري ، وكان أبرز العاملين في هذا المجال جمعٌ من الأئمة ؛ منهم على سبيل المثال: الشافعي وابن حنبل وابن تيمية وابن القيم .

الإمام الشافعي: أعلن أن اللغة العربية لها منهج يختلف عن آجاثون اليونان .

الإمام أحمد: هاجم القول بخلق القرآن وقال: إنه منقول من الفكر اليهودي .

الإمام الغزالي: دحض مفاهيم الفارابي وابن سينا ، وكذّب مقولتهم في ثلاثة مواضع .

شيخ الإسلام ابن تيمية: نقض منطق أرسطو وأعلن منطق القرآن .

خامسًا: أن اتخاذ الإسلام مصدرًا للهوية هو اتجاه طبعي ، وهو عودة إلى المنابع ، وهو التماس للطريق الذي سلكه المسلمون خلال أربعة عشر قرنًا ، فهو ليس غريبًا ولا جديدًا ولا خاطئًا ؛ بل الخطأ هو عكس ذلك: من الاستمرار في التقلب بين الليبرالية والماركسية والقومية التي أخفقت في اتخاذها أطرًا للتقدم . إن النكسة قد كشفت عن إخفاق هذه المفاهيم ، ودفعت المسلمين إلى العودة إلى المنابع

على أنها الطريق الوحيد .

سادسًا: أن المسلم المتعلم في الغرب ليس له قدرة استيعاب ما في التراث ؛ ذلك أنه كثيرًا ما ينهزم أمام استغلاق التراث في أول الأمر مما يدفعه بقوة إلىالإعراض واليأس والظن بأنه ليس في التراث شيء حول موضوع بحثه ، مع أن الحقيقة أنه هو الذي لا خبرة له بتصنيفات التراث التي تندرج تحتها مثل تلك المادة الملائمة لموضوعه .

سابعًا: من الخطأ أن يطالب البعض بالتمسك الحرفي بكل التراث أو ممارسته ككل ، أو بالنظر إلى الماضي كله على أنه مقدس ، أو أنه ينبغي أن نعيد التاريخ بحذافيره ؛ لأن التراث وفق مفهومهم يدخل فيه اللوثات والانحرافات الدخيلة على حضارتنا .

كما أنه من الخطأ أيضًا الخلط بين الموروث والوافد من الأفكار ؛ فتلك نظرية عجزت عند التطبيق أن تقدم شيئًا .

ثامنًا: مقولة أن التراث الإسلامي يخلو من تنظيم العلاقة الاجتماعية بين الناس مقولة خاطئة ، قال بها الذين ظنوا أن الفلسفة وعلم الكلام وتراث الفرق الإسلامية هو كل تراث الإسلام ، ومن ثَم يُزعم أنه يخلو من تنظيم علاقة الإنسان بالمجتمع حيث تنتظم علاقة الإنسان بالله تبارك وتعالى ؛ ذلك أنه ليس في الإسلام فصل بين العلاقتين ، والفقه يعالج العبادة كما يعالج المعاملات .

تاسعًا: يجب أن يظل تراث الإسلام الأصيل هو نقطة انطلاقنا في جميع

العلوم والثقافة نحو الارتباط بالإسلام في أصوله (القرآن والسنة) وفي تطبيقاته خلال أربعة عشر قرنًا على أيدي العلماء والمؤرخين .

إن الذين أسهموا في تطوير التراث الإسلامي وانتشاره ونهضة الحضارة

الإسلامية كانوا جميعًا يعبرون عن الأمة الإسلامية ؛ سواء منهم الذين آمنوا بالإسلام أم لم يؤمنوا ؛ فقد أوجد الإسلام نهضة فكرية جمعت كل العناصر تحت لوائها .

وكانت اللغة العربية هي منطلقها الأصيل . إن الإسلام وحده هو الذي شكّل عقلية العلماء سواء أكانوا فُرسًا أو هنودًا أو تركًا أو عربًا ؛ لأنهم قد شاركوا بعقيدة الإسلام وعقليته ومفاهيمه ، ولم يكن لاعتبار قومياتهم أثر ، وإنما كانوا مسلمين ، كتبوا باللغة العربية ، ودليلهم القرآن .

أما القول بأن التخفف من التراث مطلب من أجل اللحاق بالحضارة فتلك

دعوى مضللة وباطلة ، بل العكس هو الصحيح ؛ فقد أكد العلماء التجريبيون أن النهضة الإسلامية لا يمكن أن تُستأنف إلا بالاتصال بنهاية التراث الإسلامي الذي توقف من قبل للبناء عليه ؛ فالذين يدعوننا إلى التخفف من التراث إنما يدعوننا إلى التيه حتى نفقد طريقنا ومنطلقنا الحقيقي إلى النهضة المرتقبة ؛ ذلك أن أبرز مظاهر تراثنا الفكري والحضاري الصالحة لنهضة إسلامية عربية جديدة هي ذاتها العناصر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت