إن نزيف الموارد الفكرية ظاهرة تنذر بالخطر، إلا أنها أدت إلى نتائج إيجابية، وبالأخص، في المركز المتقدم حيث يدور الحوار حول القيم الدينية والثقافية المتنافسة بين أناس من جماعات دينية وثقافية مختلفة (63) وإضافة إلى ذلك يحتاج الشمال عمال العالم الثالث، فتستورد أوربا العمالة الماهرة وغير الماهرة من العديد من أقطار العالم الثالث، وأبرزها المغرب والجزائر وتونس وتركيا وباكستان، وتكشف هذه الهجرة الجماعية المستمرة عن التخلف المستمر لهذه الأقطار، فالتخلف هو عدم القدرة على إبداع واستخدام الموارد الإنسانية الماهرة ببراعة وعقلانية (64) ، ولا يرحل المهاجرون المهرة عن أقطارهم للأسباب المالية وحدها، بل لأن البلد الذي يتبناهم يقدم فرصة أفضل للحصول على تعليم أعلى في مهنتهم وفرصًا أكبر للتقدم.
إن المعرفة العلمية معلم رئيس على التنمية والتقدم في المجتمع المعاصر، ونظرًا للتقدم السريع في العلم والتكنولوجيا فإن عالم المعرفة سيضاعف معلوماته العلمية في العقد القديم أو قريبا من ذلك، وهذا قدر هائل بالنظر إلى حقيقة أننا نتعلم في عقد أكثر مما كان أسلافنا يتعلمونه في ألف عام إلا أن الغرب واليابان يتحكمان بأغلب هذه المعرفة، بينما تستمر أفضل عقول العالم الثالث في الهجرة إلى المركز، ويتسبب هذا في فجوات معرفية أساسية بين الشمال والجنوب تجعل ـ بتزاوجها مع إحساس الشمال بسموه الثقافي ـ من الصعب تأسيس اتصال ثقافي فعال بين الشمال والجنوب"فمسألة التمركز العرقي حول الذات هي التي تجعل من الصعب تأسيس اتصال ثقافي حقيقي" (65) . إن الغرب الذي يشكل الآن 22% من سكان العالم، 16% فقط بعد ثلاثين عاما يستهلك 70% من إجمالي موارد العالم وتسيطر عليه ثلاثة هواجس: الاتجاهات السكانية للعالم الثالث، والأخلاق المسيحية اليهودية، واليابان (66) . يواجه العالم تحدي التعددية الثقافية، ويحمل المستقبل مشهدين مستقبليين (سيناريوهين) ممكنين: إما إعادة تعزيز نسق دولي أحادي، كما يبدو اليوم في النظام العالمي الجديد المتميز بالتفوق الأمريكي، أو الحفاظ على التنوع الثقافي، وهى القيمة التي يجب على العالم الدفاع عنها ، وبدون هذا الدفاع لن يحقق العالم الثالث تحرره الثقافي الكامل واستقلاله.
إن الغرب يعيد خلق التاريخ المنصرم في شكل جديد من إعادة الاستعمار، وهو ما بعد الاستعمار، و تنشئ العولمة نظامًا عالميًا جديدًا سيبدو بعد عقود قليلة مختلفًا جدًا، فقد بدأت التحولات الرئيسة تأخذ مجراها بالفعل من انهيار الاشتراكية، وانتشار الخصخصة في أقطار مثل: الصين والهند ومصر، وصعود القوى الإقليمية كالجماعة الأوربية على إثر التفوق الأمريكي، واتساع الفجوات الاقتصادية والاجتماعية بين الفقراء والأثرياء داخل الأقطار وفيما بينها، وعولمة الاستغلال كتداعٍ طبيعي للخصخصة، والاستثمار متعدد الجنسية، وصعود القومية المغالية، والتطهير العرقي، ومشكلات اللاجئين الجديدة، وإضفاء الطابع الدولي على الجريمة، وخاصة ذات الصلة بالمافيا واختلال استقرار الدولة القومية، وخلق أعداء دوليين جدد (67)
الصهيونية والعولمة
اضطلع المشروع الصهيوني في ما بعد الاستعمار بدور جديد تموله وتدعمه معنويًا الولايات المتحدة، وساعدت الأقطار الاستعمارية السابقة في العبور من الاستعمار إلى ما بعد الاستعمار وأقرته الأمم المتحدة، وسعى المشروع الصهيوني - إزاء هذا السياق - لاعتراف الدول العربية الرئيسة به. أعاد المشروع الصهيوني ، الذي بدأ في الوقت نفسه مع المشروع القومي العربي ابتكار نفسه في ظل حكومة الليكود، بالتشبث العنيد بثنائيات التحضر ضد الهمجية، والرحمة مقابل الإرهاب، والديمقراطية مقابل الشمولية، وإسرائيل الديمقراطية مقابل العرب والمسلمين المتخلفين.
إن ما سيجرى للمشروع الصهيوني في المستقبل مسألة هامة، فعلى سبيل المثال، يستحيل تقريبًا توقع ما ستكون عليه إسرائيل بعد خمسين عامًا بدقة تامة، ولكن مع بدء العولمة مد جذورها في الاقتصاد العالمي والثقافة، سيصبح الشرق الأوسط عموما وإسرائيل خصوصا أقل أهمية مما هو عليه الآن بالنسبة لاستراتيجيات المركز الرأسمالي العسكرية والسياسية فالبترول"العربي"والصهيونية ، أو أي شكل من أشكال القومية في الشرق الأوسط، سيتوجب عليهما تغيير سماتهما بشكل حاد في مقابلة التغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية العميقة الناجمة عن العولمة، ويعنى هذا أنه يستحيل رؤية مصير إسرائيل بعد خمسين عامًا دون الأخذ في الحسبان أهمية الشرق الأوسط ككل في الفترة نفسها.
شهد عام 1948 ذروة انتصار المشروع الصهيوني بإنشاء دولة إسرائيلية قوية هدفها ـ كما هو مفترض ـ أن تقدم ملاذًا آمنًا لمواطنيها، وبصورة محتملة للشعب اليهودي في العالم، وبعدها بنحو خمسين عامًا، ظهرت إسرائيل كأقوى دولة عسكرية في الشرق الأوسط بفضل الهزيمة الكاملة للناصرية عام 1967، وتدمير قدرات العراق العسكرية في حرب الخليج الثانية وما أعقبها، وعلى الرغم من اجتذاب إسرائيل سكانًا مختلفين من أركان العالم (على سبيل المثال العالم العربي وأوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق وأثيوبيا) ، فإن أغلبية يهود المركز في غرب أوروبا وأمريكا الشمالية لم يبدوا حتى الآن أي اهتمام حقيقي بالهجرة إلى إسرائيل أو العيش فيها، وترك ذلك المشروع الصهيوني، المبالغ في تقديره بمعنى من المعاني غير منجز، ومن ثم مبتورًا، على الرغم من التضحيات المالية الضخمة التي تكبدها يهود المهجر لصالح إسرائيل، و يكره يهود المركز الذين استمروا في طليعة العولمة ـ بطبيعتهم ـ الجوهر القومي والمحدود للصهيونية، وبرغم أنهم أكبر مؤيديها في هذه المرحلة من التاريخ فقد يعادونها في المستقبل، وقد منع العديد من العوامل الهجرة الجماهيرية ليهود المركز إلى إسرائيل منها: طبيعتها العسكرية، فقد دخلت إسرائيل عدة حروب رئيسية منذ عام 1948، وطبيعة المشكلة الفلسطينية التي ظهرت في أعقاب تأسيس إسرائيل، فعلى حين يجرى تفهم الفلسطينيين كأمة مجروحة بشكل عميق منذ 1948، يقل التأكد شيئًا فشيئًا في العالم الغربي حول المعتقدات المحورية للصهيونية، وبالأخص في ظل حكم الليكود.