ويمكن القول -تأسيسًا على الحجج السالفة- إن المهمة العاجلة للعالم الثالث هي السعي للتحرر الاقتصادي والسياسي من هذه الهيمنة الجديدة ، وأحد العوامل الحاسمة في ذلك التخلص من الاستعمار الثقافي؛ لأن الهدف الأساسي لما بعد الاستعمار هو الهيمنة الثقافية وبث القيم الغربية في العالم الثالث (50) ، ويرفض الشمال إجراء نقاش شامل حول القيم الثقافية مع الجنوب، مفترضا أن قيمه الخاصة هي المعيار أي أنها قيم عالمية، وأن تبنيها سيحل مشكلات العالم الثالث الاقتصادية والاجتماعية (51) ، وبغض النظر عن قدرات الغرب العسكرية والنووية الفائقة فإن ما بعد الاستعمار سلاح يهدف لتدمير التنوع الثقافي في عالم اليوم (52) وخلق ثقافة عالمية متجانسة واحدة هي"الثقافة التغريبية" (53) .
ليس مصادفة أن معظم المناطق الدولية الساخنة تقع في العالم الإسلامي، والسبب الرئيس في ذلك رفض الغرب التوصل إلى تفاهم مع أي نسق للقيم سوى نسقه، ومع ذلك فإن العوامل الخارجية ليست وحدها سبب المشكلة، فالعالم الإسلامي ـ شأنه شأن أغلب دول العالم الثالث ـ يعانى من غياب الديمقراطية، وأزمة في حقوق الإنسان، ونقص القنوات الديمقراطية التي يمكن للناس أن يعبروا عن آرائهم خلالها بحرية، و لم ينتج عن هذا الوضع أي احتجاج من الغرب، فإنتاج السلاح في ازدياد في ظل العولمة، ومستهلكوه الأساسيون في الجنوب، في إفريقيا والشرق الأوسط وأفغانستان، الحروب الأهلية في ازدياد، بصفة أساسية، في الجنوب ، فقد تعلم الغرب درسًا هامًا بعد الحرب العالمية الثانية وهو ألا تنشب أية حروب في أوربا والشمال، وتسبب هذا كله في غياب حوار ثقافي جاد بين الشمال والجنوب، ومن ناحية أخرى جازف غياب الاتصال والتسامح الثقافي بتعريض السلام للخطر لأعوام قادمة.
إن المعضلة الرئيسة التي تواجه العالم الإسلامي المعاصر تتمثل في حماية التنوع الثقافي العالمي و التعددية في وجه الهيمنة الأمريكية المتصاعدة، وتكمن الإجابة في تحقيق تغير رئيس في تفكير كل من الشمال والجنوب، فعلى الشمال أن يعترف بالتنوع الثقافي، وعلى الجنوب تأكيد استقلاله الثقافي، ووفق رأي أحد إسلاميي شمال إفريقيا فإن"التحرر من الاستعمار الثقافي مهمة أجيال عديدة" (54) .
بدأت الولايات المتحدة في تصعيد الحرب ضد أعدائها العالميين الجدد في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، وجرى التعبير عن هذا بوضوح في مقولة"صمويل هنتجتون" (55) وأصبح الغرب مشغولا بخطر الإسلام أو الإرهاب الإسلامي أو الأصولية، وجرى اختزال العالم الإسلامي وتفتيته، بكل تركيبه الثقافي والعرقي ، إلى هذه الكلمات، وجرى تجاهل حقيقة أن أغلب المسلمين يعيشون في أقطار تحكمها نظم تسلطية يدعمها الغرب وديمقراطياته (56) . إن التحرر من الاستعمار يبدأ في الواقع عندما تعتمد النخب الفكرية في العالم الثالث وفي الغرب جديا أطروحة أن التحديث لا يجب أن يعنى التغريب وأن ثمة طرق غير غربية للتحديث.
إن إحدى الظواهر الأخاذة التي تسم الحضارة الحديثة هي التحول العميق الذي حدث لدى تحول الحضارة من ثقافة الإنتاج إلى ثقافة المعلومات والمعرفة العلمية، وقد أمكن هذا بسبب الطفرات الجذرية في العلم والتقنية، وبسبب تفوق الغرب العلمي أصبحت فجوة المعلومات بين الشمال والجنوب لا يمكن تخطيها، بل واستمرت في الاتساع يوما بعد يوم. فعلى سبيل المثال كانت الولايات المتحدة تملك 56 % من إجمالي بنوك المعلومات في العالم، وخصوصا بنوك البحث والعلم بينما تمتلك الجماعة الأوربية 28 % منها، واليابان 12%، والعالم الثالث 1 % .
توافقت الفجوة المعلوماتية بين الشمال والجنوب في عصر العولمة هذه مع"القوة الرخوة"التي تعرف على أنها قوة التحكم والاتصال، وبداية الحرب التكنولوجية عن بعد ووفقا لرتشارد فولك من جامعة برنستون فإن اعتقاد النخبة الأمريكية والغربية الحالي هو أن إمكانات علم التحكم والاتصال غير محدودة.
إن بعض الاستراتيجيين في الولايات المتحدة يحلمون بأخذ قيادة شبكات التحكم والاتصال والثروة الأسطورية الناتجة عن الصناعات الفكرية للتعلم والمعرفة، ويريدون بناء إمبراطورية العصر الإلكتروني الجديدة التي سيصبح السوق العالمي واهنًا في مركزها بفضل تقنيات المستقبل (57) .
إن بلدًا بقوة شباب الولايات المتحدة لا يزال مفتتنًا بغزو المهاجرين المروج الأمريكية الداخلية، وفي البداية كان كم الأراضي التي يجرى غزوها غير محدود، ولكن مع نهاية القرن التاسع عشر توقف هذا التوسع الإقليمي، وكان على العقل الأمريكي أن يتمسك بحدود جديدة، وحدود النظام العالمي الجديد هي غزو الفضاء، الذي يعني النفاذ الكامل إلى موارد السيبرنت ، ومع استمرار نزيف العقول من الأفكار الصغيرة، وهجرة العديد من خبراء التقنية العالمية من الاتحاد السوفيتي، امتلكت الولايات المتحدة موارد تكنولوجية هائلة، وبدأت العولمة الأمريكية بشكل جاد (58) مع ملاحظة أن المركز المتقدم شجع هجرة الفنيين المهرة من العالم الثالث، وأنه بدأ سن القوانين التي تجعل الهجرة أصعب كثيرًا للمهاجرين من غير المهنيين (59) .
لقد أدى هذا إلى تفوق الغرب السياسي والاقتصادي ، وانتشار الأفكار الغربية من خلال اكتساب التقنيات الغربية، ونزيف العقول من العالم الثالث إلى المركز، والتسرب التدريجي للقيم الفكرية والثقافية والعلمية للعالم الثالث، وتسبب هذا كله في غياب حوار ثقافي جاد بين الشمال والجنوب، ومن ناحية أخرى جازف غياب الاتصال والتسامح الثقافي بتعريض السلام للخطر لأعوام قادمة (60) .
وعلى الرغم من التفوق المعلوماتي الذي يبديه الغرب، فلا يزال شعبه لا يعلم إلا أقل القليل عن شعوب العالم الثالث والتحديات التي تواجهه، فالإعلام الجماهيري الحالي في المركز المنتصر لا يفضل نظيره منذ عشرين سنة ؛ إذ لا يزال يشن حربًا من التجاهل للمشاكل الحقيقية المؤثرة في الجنوب، ويصبح هذا الوجه المزدوج للعولمة (معلومات كثيرة عن العالم الثالث ومعرفة قليلة جدا عن مشاكله) أكثر خطورة عندما تتغلغل القوى الرأسمالية الجديدة في كل ركن من العالم، وتصوغه وفقا لمتطلبات الاقتصاد العالمي الجديد (61) ، ويستخدم الغرب تقنياته البحثية المتفوقة لجنى أرباح أكثر على حساب العالم الثالث، وبالأخص مع استمرار الظروف غير المتكافئة بين الشمال والجنوب (62) .
عجّلت العولمة أيضا نزيف العقول من العالم الثالث إلى المركز المتقدم، ويفضل العديد من مهنيي ومفكري العالم الثالث الإقامة في الولايات المتحدة، وأُطلق على هذه العملية عن حق،"النزف الفكري"لأنها تستنفد الخبراء من الأقطار الفقيرة التي تحتاجهم أشد الاحتياج في كل الحقول العلمية.
ولا يسعى العديد من المهاجرين لمستويات اقتصادية واجتماعية أفضل فقط، بل يهاجرون أيضًا لأن العملية الإنمائية في أقطارهم الأصلية ينقصها الرؤية السليمة لإدماجهم بشكل خلاق، ويكمل ذلك غالبا التقليد الأعمى للشمال الحديث بما يؤدي لنقل التكنولوجيا دون أي إسهام خلاق من الجنوب، بعبارة أخرى يمكن للجنوب أن يشترى التكنولوجيا، ولكن يجب عليه أن يبتدع أشكاله الخاصة من الحداثة والتحديث، ولا يمكن إبداع هذه الأشكال إذا ما استمر رحيل المهنيين المهرة، وكان من تداعيات هذا الوضع التعس معاناة العالم الإسلامي، وبقية العالم الثالث من المشاكل المتداخلة من أمية، وغياب البحث العلمي الصارم، ونقص القيم الديمقراطية.