إن ما بعد الاستعمار - توأم الاستعمار الجديد الذي ظهر منه - نتاج النظام العالمي الجديد (42) . وغالبًا ما يستتبع الاستعمار كحدث تاريخي ذي أهمية قصوى احتلال قطر (أوربي) لقطر آخر عسكريًا، والسيطرة المباشرة على الموارد الطبيعية، بما يخلق نوعًا من التمايز بين المصالح الاستراتيجية للمستعمر. لقد سعت النخبة السياسية للدول القومية العديدة لتحديث بلادها من خلال التقليد الأعمى للغرب، واستفادت من الحماية السياسية والعسكرية التي أسبغها الغرب عليها.
فعلى سبيل المثال لم يثر الغرب في هذه الأقطار قط مسألة حقوق الإنسان، ولا غياب الديمقراطية؛ لأن مجمل اهتمامه كان موجهًا للحفاظ على مصالحه، وتأسس الاستعمار الجديد على شكل جديد من السيطرة الاقتصادية يسمح بظهور الأشكال المتمايزة الأخرى من الهيمنة أي السياسية والفكرية والثقافية.
لقد شعرت أقطار العالم الثالث، إلى حد ما، بالتخفف خلال الحرب الباردة من ضغط الغرب السياسي والثقافي ؛ لأن توازن القوى العالمي سمح لها بالعمل بحرية، ومع ذلك تغير الوضع القائم بانهيار النظام السوفيتي والهزيمة العسكرية للعراق، وترك هذان الحدثان العالم العربي والثقافة العربية بلا دفاعات في وجه الهيمنة الأمريكية، وبظهور الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة، اتهم المركز ـ ولا يزال ـ عددًا من الدول مثل كوبا وسوريا وليبيا بدعم الإرهاب.
لم يزل الهامش يعتمد على المركز منذ عصر الاستعمار، وأسس انتشار الأفكار عبر الأقمار الصناعية علاقة جديدة بين العالم الإسلامي والغرب، ويمارس الغرب ما يمكن دعوته بـ"ثقافة إمبريالية"مهيمنة (43) ، ويلفت معظم المفكرين المسلمين الذين شبوا في ظل الاستعمار أنظارنا إلى الاستنتاجات الرئيسة للمفكرين الأوروبيين، وحتى الأمريكيين، حول صعود الولايات المتحدة في الأعوام الأخيرة ، وتأثيره الثقافي العالمي، حتى داخل أوربا، ويقولون:"إن"الإمبراطورية الأمريكية هي الوحيدة في العالم وهى المتقدمة بشكل مطلق، ولأول مرة في التاريخ الإنساني تظل هذه الظاهرة الغريبة باقية" (44) ."
إن الولايات المتحدة إمبراطورية فريدة، فهي المنتج الرئيس لكل أنواع السلع وهى أيضا مستهلك شره، وتاريخها مميز من بدايته الأولى بميل متطرف إلى التوسع:"إن التاريخ الأمريكي بكامله موسوم باتجاه دائم نحو التوسع، الظمأ للأراضي، الظمأ للقوة ، والظمأ للجدة شأنها شأن العديد من الحاجات التي يتوجب إشباعها" (45) ووفقا لرأي الناقد الأدبي الأمريكي ذائع الصيت"إدموند ويلسون"لم يكن التوسع الأمريكي فيما وراء البحار في أعقاب هزيمة ألمانيا النازية محض مصادفة:"كنا نعتقد أننا نحرر أوربا ونناضل استعمار اليابان الإقطاعية، ولكننا ظهرنا فجأة بعد الحرب (العالمية الثانية) محتلين أو مسيطرين على الأقطار الأجنبية في كل من أمريكا وأوربا وآسيا والشرق الأوسط دون ترحيب أحيانا، كما كان الفرنسيون في الجزائر، أو البريطانيون في قبرص، أو الروس في أوربا الوسطى، وبعد أن صدمنا استعمار الآخرين لسنوات طويلة طورنا نوعًا جديدًا خاصًا بنا، ووجدنا أنفسنا نعبس في وجه الاتحاد السوفيتي، وننفق المليارات على أسلحة موجهة ضده، وعلى أسلحة كان مجرد تجريبها خطرا على سكان بلدنا ودون أية استفزازات حقيقية لنا، ولكن لسبب محدود المعقولية وهو أن نتحدى الروس السوفيت للسيطرة على أجزاء واسعة من العالم" (46) .
إن الأمركة المنتصرة -في رأى العديد من مفكري العالم الثالث- هي التجلي الحديث للعولمة، وتؤيد الأمركة نوعا جديدا من النماذج الاقتصادية والثقافية"فالعولمة إلى جانب كونها نسقا اقتصاديا فإنها أيديولوجية تخدم هذا النسق فالأمركة والعولمة متضافرتان بشكل بالغ" (47) .
يحتاج العالم الإسلامي في سعيه للتنمية العلم والتكنولوجيا الغربيين، ومع ذلك لا يمكن استيراد العلم الغربي دون القيم الأخلاقية التي أنتجته، وقد استخدم الغرب في طوره الاستعماري الثقافة والأفكار لاستعمار العالم الثالث، ولهذا ازدهر الاستشراق وبعثات التبشير والأنشطة المشابهة، وجرى استبقاء الاستعمار التقليدي بالحضور المادي لقوات البلد الأم في ما وراء البحار، فقد تعاون الغزو المادي والفكري آخذًا كل منهما بيد الآخر، إلا أن الموقف مختلف إلى حد ما في عصر الاستعمار الجديد بتقدمه السريع في التكنولوجيا، وتعرض التكامل الفكري والثقافي للأمم الصغيرة للخطر، فكان غرض الاستعمار إنشاء نخبة ثقافية داخلية بقيم غربية، وغرس نظم التعليم والفكر الغربية في العالم الثالث، وكانت ثقافة الاستعمار أيديولوجية بطبيعتها، واليوم أدى الغزو الثقافي من خلال التقنية المتقدمة إلى النتيجة التالية:
سعت الثقافة الغربية - إضافة إلى كونها أيديولوجية بطبيعتها - إلى قهر وسائل النقد والعقلانية في العالم الإسلامي، وفي حالتنا استهدفت العقل العربي والإسلامي محاولةً جعله ينسى ماضيه المتفرد والمجيد.
إن إحدى حقائق عالم اليوم التي يؤسف لها أنه ليس ثمة من يمكنه منافسة الهيمنة الاقتصادية والفكرية الأمريكية، فهذا البلد يمتلك موارد اقتصادية ضخمة وتقنية متقدمة، والمهارة العسكرية والإرادة لغزو العالم بكامله فكريًا (48) ، ولذا أعيد صياغة السؤال الأول إلى: ماذا يجب عمله لتحقيق نهضة ثقافية وسياسية واجتماعية عقلانية في العالم الإسلامي المعاصر؟ إن الفكر الإسلامي لا يمكنه تجنب التضمينات الكاملة لتحدّي الغرب الثقافي المعاصر وبالأخص تحدى الولايات المتحدة في سياق النظام العالمي الجديد.
أصبح النظام العالمي الجديد الذي تدشن في أعقاب الهزيمة العسكرية للعراق ظاهرة سياسية شاملة، وعلى سبيل المثال سلم رد القوميين على الغرب بتكيف أساسي مع الأوضاع بعد نهاية الحرب الباردة، وفقد معظم الدول الاهتمام بالوحدة العربية، وما قاله عابد الجابري الأيديولوجي المغربي الرائد مناسب في هذا الصدد: إن الوجود العربي حي، وأظهرت الحرب القريبة التي شنها الحلفاء على العراق، بجلاء، حيوية العروبة ، وحضورها المصان في روح الجماهير العربية التي احتشدت لتأييد العراق وغالبًا ضد رغبات حكوماتها، ومما له دلالته أيضًا في هذا الصدد الموقف العربي القومي الذي اتخذه مفكرو الفرانكفون المغاربة الذين حُرم العديد منهم من تعلم العربية في طفولتهم، وإضافةً لحشد تأييدهم وراء العراق فقد عبروا عن فزعهم وإحباطهم من الموقف الأوربي من العراق (49) .
كان الغرض الأساسي للمشروع القومي العربي خلال عصر الاستعمار تحقيق استقلال العالم العربى، وساعد استقلال الجزائر على تحقيق هذا الهدف، ولكن حرب عام 1967 كانت نكسة رئيسة بمنعها الوحدة والتضامن العربيين من أن يمدا جذورهما الفكرية والتنظيمية في المجتمع.
إن ظهور الدولة الإقليمية كحقيقة سياسية دولية وكوضع نفسي اجتماعي / اقتصادي لا يمكن تجاوزه، وضع مزيدًا من العقبات في طريق المشروع القومي العربي، فالعالم العربي منقسم الآن بشكل يفوق أي وقت مضى، وعلى العالم العربي أن يأخذ في الاعتبار ـ إضافة إلى التحدي الثقافي والانقسام السياسي ـ المشروع الصهيوني والتغيرات الحادة في طبيعته في سياق النظام العالمي الجديد.