فهرس الكتاب

الصفحة 988 من 3028

لقد أخفقت النخبة السياسية الأمريكية خلال الحرب الباردة 1945-1989 في نشر اللغة الإنجليزية في مواجهة أعدائها، أساسًا ، لأن الإنجليزية الأكاديمية كانت حكرًا على المفكرين اليساريين الذين تخلوا عن وصاية الكتب العظيمة، والقيم التقليدية، وأفسدوا النظام الاجتماعي (34) ومع ذلك، فقد اتخذت إنجليزية الأعمال مع انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة وضعا هجوميًا، وتبنى التكنوقراط الجدد في الشمال والجنوب نمطًا رسميًا من الإنجليزية أكثر مساعدة لعالم المال والأعمال منه لعالم الإنسانيات.

إن زيادة البؤس والفقر الاقتصادي ليست حكرًا على العالم الثالث وحده (35) فتنتشر هذه الظاهرة نفسها في المركز كما في فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة، فالتحلل الحضري بادٍ في مدن المراكز الرئيسة، وهو في معناه العميق عرض لنقص الرفاه الاجتماعي والتعليمي بين الفقراء، ويدل تعاطى المخدرات وانتشار الجريمة المحلية على أن نسبة لها دلالتها من المجتمع في المركز المتقدم تم تهميشها، بعبارة أخرى، كسبت الرأسمالية في سعيها لمراكمة رأس المال المزيد والمزيد من الربح،

ولكن على حساب نشر الدمار في القطاعات الضعيفة من المجتمع داخليًا وفيما وراء البحار، وكما يوضح أحد المؤلفين"تلد الرأسمالية الرخاء والفقر معا في الوقت نفسه" (36) .

وكما سلف لم يظهر النظام العالمي الجديد من فراغ، فقد أصبح العالم الثالث مع سقوط النظام السوفيتي في أوائل التسعينيات، بعد عقود من النضال الحاد، ضحية سهلة للهيمنة الأمريكية (37) وبغض النظر عما إذا كان العراق هدف بغزو الكويت سنة 1990 تحدي السيطرة الغربية عموما، وسيطرة الولايات المتحدة خصوصا، فقد بثَّ تجميع القواعد الغربية تحت لواء الأمم المتحدة موجات صادمة عبر العالم الإسلامي، وحافظت ـ إن لم تكن عززت ـ الهزيمة العسكرية للعراق على مصالح الغرب القومية التي قوَّت ـ في مفارقة تاريخية واضحة ـ نظم الخليج السياسية التسلطية، ومنعت أية فرصة حقيقية لتحقيق الديمقراطية لأعوام عديدة قادمة.

أثار هذان الحدثان - بالإضافة إلى إبراز التحولات الرئيسية في الأحلاف العالمية، وشهود ظهور الولايات المتحدة كقوى عظمى وحيدة - بشكل أكثر حدة قضية الهيمنة الثقافية الغربية مرة أخرى، وخصوصًا الأمريكية، وآثارها على ثقافات العالم الثالث، فمحدودية التأثير الأمريكي على العالم الإسلامي ، في عصر ما بعد الحرب الباردة ، بالمسائل الاقتصادية والسياسية أمر أبعد ما يكون عن الصحة؛ لأن هذا التأثير فكري ومفاهيمي في المقام الأول؛ ولأن النخب الإسلامية الحاكمة تبنت الأفكار الرأسمالية العملية كأنماط مثالية لها (38) .

ونظرًا لتشابك الغرب مع العالم الإسلامي منذ أوائل القرن التاسع على الأقل، فإن الغرب كظاهرة لا يزال يحير الفكر الإسلامي الحديث، ومع ظهور الاستعمار في أوائل القرن التاسع عشر تساءل المفكرون المسلمون"ما الغرب ؟"وفرض الغرب تحديًا أساسيًا على العقل العربي الإسلامي الحديث، وهذا التحدي هو الذي أرغم الفكر الإسلامي الحديث على نقد الماضي، ومحاولة انتحال روح الغرب العلمية الحديثة، ومع ذلك بقى الغرب مصطلحًا غير محدد في الفكر الإسلامي الحديث هل يمثل الاستعمار ؟ أم الليبرالية ؟ أم المسيحية ؟ أم الرأسمالية ؟ أم الاشتراكية ؟ وعادة ما اتخذ الغرب -ككيان علمي ثقافي اجتماعي- وضعًا هجوميًا باستمرار.

لقد كان مفكرو النهضة في العالم العربي والمفكرون الليبراليون في الهند المسلمة في القرن التاسع عشر (39) تأسرهم الإمكانات المختلفة التي يقدمها العقل الغربي، والعلم الغربي، وكانوا واعين بالركود العميق لمجتمعاتهم، وأن هذا الركود ينتهك مبدأ إسلاميًا رئيسًا وهو"المصلحة العامة"، وسَعوْا لتحسين الأوضاع بإحياء هذا المبدأ وربطه بالحاجة للعلم الغربي ، بعبارة أخرى، فإن العلم الغربي ومبدأ المصلحة العامة لا يلتئمان في فكر نخبة الفكر في عصر النهضة، وعلى النقيض من ذلك ، يجب للوفاء بالمبدأ الإسلامي تبنى منطق الحداثة (مثلًا العلم) (40) وهكذا رأى رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وسيد أحمد خان وأقرانهم أنه يمكن حل هذا التوتر (الركود مقابل العلم) فقط، إذا ربطت نخبة الفكر في زمانهم فلسفتها المذهبية بمنطق الفلسفة والعلم الغربيين أي بتأييد التقدم، وهو المفهوم المحوري لحداثة القرن التاسع عشر الأوربية. ومع ذلك، فقد وضح أثناء محاولة حل هذا التناقض تناقض آخر: تناقض العلم والاستعمار وكلاهما من معطيات الغرب.

كان مفكرو القرن التاسع عشر المسلمون واعين بشكل جيد أن الغرب لا يعنى ببساطة العلم، بل والسيطرة العسكرية والسياسية أيضًا .

حددت التوترات المزدوجة بين الركود الإسلامي والعلم الغربي وبين العلم الغربي والهيمنة الغربية مُعلّمات التحديات الرئيسية التي واجهت العقل المسلم منذ القرن التاسع عشر، وأصبح هذا الاستقطاب المزدوج أكثر تعقيدًا في منتصف الخمسينيات بعد نهاية الاستعمار الرسمي في أغلب الدول الإسلامية، وسعت الدولة القومية الجديدة للتحديث دون التضحية بالمصلحة العامة، سواء أكانت مشتقة من الفكر الإسلامي أو من الفكر القومي، وسعت للاستقلال الاقتصادي والاجتماعي عن الغرب الذي كانت لا تزال تعتمد عليه، وعندما بدأت العولمة تضع بذورها الاقتصادية في أوائل السبعينيات مع الغزو الاقتصادي للصين، ثم أثمرت مع انهيار النظام السوفيتي في التسعينيات، أصبح العالم الإسلامي واقعًا في شرك شبكة الغرب الرأسمالي ، وبدأت الفجوة في القوة بين العالم الإسلامي والغرب في الاتساع إلى درجة أن دولة مثل سوريا كانت تستخدم الاتحاد السوفيتي لدعم مركزها، استرضت الغرب بإرسال قواتها لمحاربة العراق، وتحققت النظم السياسية الإسلامية توًّا أنه من الانتحار تحدى السلطة الأمريكية، وكان لهذا التباين الأساسي في القوة آثاره العميقة على عمل المجتمعات الإسلامية داخليًا، وأدى إلى فجوات أوسع بين الأثرياء والفقراء داخل العالم الإسلامي، ووطَّد التحول الدولي المصاحب له في قوة النخب السياسية والعسكرية المسلمة

الاستقلال الثقافي في ظل العولمة

ورثت الدولة القومية الإسلامية الحديثة عالما من التناقضات، فعلى حين كانت تسعى للتحرر من الاستعمار الثقافي السياسي بعد الاستقلال، بدأ الاستعمار الجديد يتجلى بصورة مباشرة بصياغة علاقات اقتصادية وسياسية، تمنح المركز اليد العليا في التعامل مع الشئون الدولية والاقتصادية لتوابعه السابقة، وفي رأى العديد من المفكرين العرب، فإن العولمة هي المرحلة الأخيرة من الاستعمار الجديد"إنها ذروة نجاح المشروع الرأسمالي العالمي النطاق" (41) .

فقد سمح الاستعمار الجديد للمركز بالحفاظ على أسواقه ونفوذه الثقافي وأحيانًا قواته بأقل كلفة، وعلى حين يمكن قياس وتقدير كم العوامل الاقتصادية، يصعب قياس الثقافة بنفس الطريقة، فقد خلفت نهاية الاستعمار الرسمي ركامًا ثقافيًا معقدًا لا يمكن التغلب عليه بين عشية وضحاها، ووجدت نخبة الفكر في النظام القديم التي حاربت الاستعمار السياسي دون الثقافي نفسها في مركز مسيطر، واقعة بين الثقافة الغربية التي تبنتها وثقافة البلد الأصلية ودعم الذين آثروا التعريب ـ كما في شمال أفريقيا ـ التنوع الثقافي والاستقلال عن ثقافة الغرب المسيطرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت