وبينما كان السلطان يحكم ولا معارض له كانت أعظم الطاقات العقلية في الأمة تتخذ طريقها وبسرعة نحو القيم الروحانية والفردية والذاتية التي تمخض عنها التصوف. واختفت السمة التي ميزت الحقبة المبكرة، وهي التكافؤ بين الروحي والمادي الدنيوي وقابلية التحول بين أحدهما والآخر ؛ وحل محلها الجري وراء الروحاني على حساب الدنيوي ووراء الآخرة على حساب هذه الحياة. وإذ فقد الفكر الإسلامي صلته الوثيقة بالتجربة الواقعية في حياة الأمة، أصبح محافظًا وحرفيًا في مجال التشريع وتخمينيًا في مجال تفسير القرآن والنظرة إلى الحياة الدنيا ومزدريا للدنيا في مجالي الأخلاق والسياسة ومستغلقًا في العلوم الطبيعية. وأصبح كبار المفكرين وعلماء الشريعة والأولياء لا يبالون بالسلطة السياسية ولا بالفعل وينظرون إليها من عل على أنها شيء تافه لاقيمة له. وصارت مقاومة الدنيا أولًا ثم نبذها كلية بعد ذلك هي الشروط الأولية للفضيلة. وبدا أن الأمة قد فقدت ذلك التوازن بين القيم الفردية والجماعية التي مثلتها حياة الرسول صلى الله عليه وسلم تمثيلًا رفيعًا.
(4) الثنائية الدينية والثقافية:
لقد كان"الصراط المستقيم"الذي هو محط آمال الجميع والذي كان يمثل واقع حياة الصدر الأول من المسلمين ... كان طريقا واحدا متكاملا ينبثق من الرؤية الإسلامية الأصلية ويجمع كافة اتجاهات الإنسان ونشاطاته في حركة واحدة تتجه نحو تحقيق الذات الإسلامية في التاريخ. أما في فترات الانحطاط، وبسبب الجفوة الواقعة بين الفكر والفعل، فقد انقسم هذا الطريق الموحد إلى اثنين: طريق الدنيا ، وطريق الله والفضيلة. هذا الانشعاب في الحياة الإسلامية إلى منهجين متناقضين على طول الخط - أحدهما جدير بالتقدير ويضم كل القيم الدينية والخلقية، والآخر مذموم يضم العالم المادي وسائر قيمه - هذا الانشعاب قد أفسد كليهما وقضى عليهما. لقد تبدل كل منهما، فأصبح الطريق الأول روحانية فارغة تشبه الروحانية الخاوية في الرهبنة البوذية والنصرانية... فالروحانية التي لا تشغل نفسها بالمصلحة الواقعية للجماهير والتي لا تسعى إلى تحقيق العدالة في مواطن الاضطراب والقسوة في هذا العالم لهي روحانية ذاتية تهتم بالرغبة الدينية لمن يؤمنون بها وحدهم. إنها روحانية قائمة على الأًثَرة حتى ولو دعت إلى شيء من أفعال الإيثار. أليس همها الأول هو حالة الوعي عند السالك. وما الآخرون ومصالحهم عندها إلا وسائل وأدوات لابتلاء النفس وتطهيرها وتزكيتها. ولا عجب، والحال هذه، أن تسقط هذه الروحانية في تراث الغنوصية وفي التجارب الخفية، وأن تصبح فريسة الخرافات والاتجار بالخوارق. ولم يرد أبدًا على أذهان المشايخ الذين أسسوا الطرق الصوفية، والعقول الكبيرة التي وضعت لها مبادئها ونظرياتها الأساسية، أن جماعاتهم سوف تزيغ على هذا النحو وتنتهي إلى أخلاق وآمال تتعارض مع الإسلام. لكن الحق أن معظم تلك الجماعات قد استهواها هذا الإغراء.
أما طريق الدنيا، من الناحية الأخرى، فقد أقام له نظامًا لا أخلاقيًا يخصه، متحللًا على هذا النحو من المتطلبات الأخلاقية التي أعلن من يمثلون الدين أنها تخص فئة أخرى من المسلمين. وبدون أن تكون القيم الخلقية هي قوام النظام الاجتماعي فلا مفر من أن يتدهور ويصبح هو في نفسه جائزة لكل طموح لا يتورع عن بذل جهده للفوز بالغنيمة . وعلى هذا النحو أصبحت الحكومة والقيادة أو المناصب السياسية وسيلة لتعظيم الذات والاستخدام الوحشي للقوة، أو لابتزاز المنافع الأدبية والمادية من الناس. ولذلك لم تبد الجماهير إلا مقاومة محدودة عندما هاجم العدو الاستعماري الأجنبي أرضها واحتلها. لقد أصبحت الجماهير مقتنعة بأن المعركة ليست معركتها. وفي النهاية، حين أقامت الإدارات الاستعمارية نظامًا تعليميًا جديدًا وبدأت تؤثر نمطًا من الحياة والفكر والنشاط غريبًا عما لدى الجماهير، نظرت إليه تلك الجماهير على أنه حلقة أخرى من مسلسل النظم التعسفية التي طالما عانوا منها في الماضي ، وأنه أهل لكل مقت وازدراء لكنه لا يستأهل أن تنتفض الأمة كلها لتجاهد ضده.
(ثانيا) المبادئ الأساسية للمنهجية الإسلامية
إن أسلمة المعرفة لهي مطلب حتمي لإزالة الثنائية الموجودة في النظام التعليمي، التي هي بدورها مطلب حتمي لإزالة الثنائية من حياة الأمة ولعلاج انحرافاتها ... إن"أسلمة المعرفة"فضلًا عن أنها تعالج ألوان القصور التي انزلقت إليها المنهجية التقليدية فإنها تأخذ في الاعتبار عددًا من المبادئ التي تمثل"جوهر"الإسلام ... ذلك أن عملية إعادة صياغة كافة فروع العلم في إطار الإسلام تعني إخضاع نظريات تلك العلوم ومناهج البحث فيها ومبادئها وغاياتها [لتلك المبادئ والمفاهيم الجوهرية ، والتي تتمثل] فيما يلي:
(1) وحدانية الله (سبحانه وتعالى) :
إن وحدانية الله تعالى هي المبدأ الأول للإسلام ولكل ماهو إسلامي. وفحوى هذا المبدأ أن الإله الحق هو الله؛ وأنه لا إله غيره؛ وأنه تعالى هو الواحد الأحد، العلي الأعلى، وأنه مطلق الكمال بكل المقاييس. وكل موجود سواه مغاير له ومخلوق له. هو الخلاق، بأمره توجد كل الموجودات وتقع سائر الحادثات. هو مصدر كل خير ومصدر كل جمال، إرادته هي القانون الذي يحكم الكون ويقنن للأخلاق. وعبادته وحمده واجب كل الكائنات وعلى رأسها الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم وزوده بالقدرات التي بها يعرف ربه ويقدر عظمة صنعه، كما منحه القدرة على أن يتصرف فيما خلق الله ليحقق من خلال ذلك المثل الإلهية من الأخلاق والمثل الإلهية في الجمال.
أن يفكر المرء وأن يعيش واعيًا بوحدانية الله معناه أن يعيش في عالم ملؤه الجمال والحيوية ، لأن كل شيء في الوجود موجود بصنعته عز وجل، معتمد في بقائه على ربوبيته ومتجه دائمًا بطبيعته نحو تحقيق الإرادة الإلهية... في مثل هذا العالم لا شيء موجود صدفة أو عبثًا أو فارغًا من المعنى. فكل شيء خلقه الله تعالى بقَدَر. وحين يكون الإنسان جزءًا من عالم تلك صفته فإنه يدرك من العلاقات بينه وبين كل الكائنات ما لا يحده العد ، وفوق ذلك كله يدرك أنه مخلوق لله وفقير إلى الله ومدين له ، وأن عليه أن يحبه وأن يعبده حق العبادة. ولكي يكون المسلم مسلمًا فإن عليه أن يكون وعيه دائمًا عامرًا بذكر الله . وما دام الله هو الخالق وهو الديان فلن تكون مسلمًا حتى تفعل كل شيء كما شرعه لك قاصدًا به وجه الله وحده. وكما أن الحياة والطاقة منحة من الله فكذلك كل الخير والسعادة. هذا هو ما يجب أن تكون عليه الحياة الإسلامية.