فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 3028

لعل أخطر تطور مأساوي في التاريخ الفكري للأمة كان هو القول بأن كلا من"الوحي"و"العقل"غريب عن الآخر. ولقد كان ظهور المنطق اليوناني وتأثيره على بعض المسلمين، الذين كانوا حريصين كل الحرص على استخدام أساليبه لإقناع غير المسلمين بحقائق الإسلام هو الذي وضعهم على بداية الطريق التي انتهت بهم إلى مثل هذا القول. إن النصارى واليهود الذين تأثروا بالثقافة الهللينية قد عاشوا قرونا تحت ظل هذه الثنائية؛ وكثيرون منهم نقلوها معهم إلى"الأمة"عندما أسلموا ، وكان الفارابي هو الذي أعطاها صيغتها التقليدية التي انتصر لها الفلاسفة ضد"المتكلمين". وقد قبلها بعض متأخري"المتكلمين"ممن كان يرضيهم أن يشرحوا العقيدة في تحديد ووضوح. ثم أصبحت سائدة في مجال المجادلات الفكرية في عصر الانحطاط، خاصة في ظل تأثير"التصوف"الذي دعا إلى منهجية قائمة على أساس حدسي خالص، أو خفي غالبا، ومن هنا لم تجد بأسا في القول بهذه الغربة بين العقل والوحي.

إن الفصل بين"الوحي"و"العقل"أمر غير مقبول بالمرة... بل إنه لأمر مناف لروح الإسلام كله ومعارض لما في القرآن من دعوة أساسية للعقل والمنهج المتسم بالوسطية. إن دعوة الإسلام عقلية ونقدية مميِّزة ، خلافا لتلك الأديان التي تحاول أن تجرف عقل الإنسان وتسيطر على ضميره بغية أن يسلم راغما بما ليس بمعقول بل بما هو سخيف. إن الإسلام يهيب بالناس دائما أن يستخدموا ذكاءهم ، وأن يمحصوا بملكاتهم النقدية كل الدعاوى ، وأن يفكروا في البدائل وأن يكون فكرهم دائما مقنعا ومنسجما ، وألا يقول أحدهم سوى الحق الذي هو على يقين منه ، وأن لا ينعزلوا بحال عن الواقع. ولا تخلو صفحة من صفحات القرآن من مثل هذا الحث والإلزام. وبدون العقل لا يمكن أن تدرك حقائق الوحي إدراكًا كاملًا أو تنكشف طبيعتها السماوية أو يعترف بها. وبدونه تستوي دعاوى الوحي مع غيرها من الدعاوى الباطلة. وإذا قبل الوحي على غير أساس من العقل، فإنه يكون مقبولا شخصيا اعتباطيا قابلا للتبدل. وليس لأي أطروحة دينية قائمة على أساس المزاج الشخصي أن تزعم أنها مستحقة للقبول لدى البشر جميعا أو لدى نسبة معتبرة منهم لفترة طويلة. وحين بالغ المسلمون في التأكيد على الحدس على حساب العقل أدى ذلك إلى فتح الأبواب لفساد العقيدة. إن عدم فصلها عقليًا عن اللغو يعطي الفرصة للخرافات وحكايات العجائز أن تتزيا بزي الحقيقة وتتسرب إلى العقيدة ، ومثل ذلك تماما أن المبالغة في التأكيد على"العقل"على حساب العقيدة الحدسية قد أفسد"حياة العقل"حيث اختزلته إلى المادية والنفعية والآلية والخواء.

(3) الفصل بين الفكر والفعل:

في الحقبة الأولى من تاريخ الإسلام كان المفكر هو القائد ، والقائد هو المفكر... كانت الرؤية الإسلامية هي المسيطرة ، وكانت الحماسة لتحويلها إلى واقع يعاش هي التي تحدد السلوك... كانت هي الشغل الشاغل للمجتمع الإسلامي كله. كان كل مسلم واع يعمل جاهدًا لسبر أغوار الحقيقة كي تخضع الماديات والفرص لتشكيل جديد يصبها في القوالب الإسلامية... لقد كان الفقيه في الوقت ذاته"إمامًا"و"مجتهدًا"و"قارئًا"و"محدثًا"و"مدرسًا"و"متكلمًا"بالإضافة إلى كونه زعيمًا سياسيًا وقائدًا عسكريًا وزراعيًا أو تاجرًا أو صاحب حرفة. وإذ أحس بضعف في أي من هذه الجوانب وجد كل فرد حوله على استعداد ليتقدم فيسد هذا النقص. كان كل فرد يعطي في سخاء كل ما لديه من أجل القضية، كما كان يشعر بأن قوة الآخرين قوة له.

كان المسلمون من التلاحم فيما بينهم إلى حد أن ضعف أي فرد منهم سرعان ما كان يزول نتيجة تضامن الجميع وتجربتهم الكلية. ونظرًا إلى أن الفكر الإسلامي بطبيعته فكر متوجه نحو الحقيقة، فإن هذا الارتباط بالحياة والممارسة الفعلية كان بمثابة المختبر الذي امتحنت فيه كفاءة الأفكار الإسلامية. كذلك فإنه قد ربط الفكر بالحقيقة الواقعية واضطره إلى أن يجعل من الصالح العام للناس رجالًا ونساءً بؤرة اهتمامه. وإذا كانت تلك الفترة لم تشهد إلا قليلا من الفكر التأملي أو الميتافيزيقي فإن ذلك لم يكن ناشئًا عن عجز، بل لأن جمهور المفكرين المسلمين كانوا يعطون الأولوية لتمكين جماهير الأمة من أن تعيش حياة ملؤها العافية والعقل والفضيلة والازدهار.

ومن ناحية أخرى، فإن حياة الناس الواقعية قد استفادت من الأفكار القيادات المبدعة ، إذ كان ذلك الواقع الذي يعيشه الناس هو مجال تفكيرهم المستمر، فكان الفكر الملائم يوضع موضع التطبيق لحل مشاكل الأمة، وكانت الحلول تأتي مناسبة للمواقف. ولذلك ازدهرت الأمة في كافة مجالات الفكر والحياة؛ لأن مصلحة الأمة كانت دائمًا هي موضع نظر العقول الممتازة، وكانت الحلول التي يقترحونها تنزل إلى ساحة الفعل وتنفذ لأن العقول المبدعة ذاتها كانت هي التي توجه القوى التي تقوم بالتنفيذ أو كانت على اتصال وثيق بمن يقومون بذلك.

لكن فيما بعد انفصمت هذه الرابطة بين الفكر والفعل . وما إن تم الانفصال بينهما حتى بدأ كل منهما يتدهور. فأصبحت القيادة السياسية ومن بيدهم القوة التنفيذية ينتقلون من أزمة إلى أزمة محرومين من الانتفاع بفكر العلماء ومشورتهم وحكمتهم. وكانت النتيجة تخبطًا في العمل ينفر من الموضوعات الجيدة ويضع القادة السياسيين في مزيد من العزلة. وإذ وجد القادة أنفسهم في موقف الدفاع فقد أدى ذلك إلى ارتكابهم مزيدا من الأخطاء الفادحة. أما المفكرون فقد أصبحوا غرباء ومبعدين عن المشاركة الفعالة في شؤون الأمة، ولذلك لجأوا إلى المثاليات كمسوغ لسخطهم على السلطة السياسية. بدأ بعضهم يبالغ في رفع منزلة ماهو"معياري"في مقابل ماهو"واقعي"... وقد تعرض أولئك الذين كان لسخطهم آثار سياسة للاضطهاد من قبل السلطة الحاكمة ، أما من لم يكن لسخطهم تلك الآثار فقد شُجعوا على التحليق بعيدًا عن الحقيقة الواقعية . وهناك فريق آخر من المفكرين بدأوا يتنازلون عن المعايير الصحيحة بسبب ارتباطهم بالقيادة السياسية. وقد نتج عم التوتر المتزايد بين الفريقين تعددية أدت إلى تدمير الفكر والفعل معًا. فحين أصبح الفعل استبداديًا وميالا إلى استخدام العنف هجر الفكر ميدان الواقع التجريبي، وهو الصالح العام للناس، وأقنع نفسه بالتعليق على أعمال السابقين أو بالتحليق في أجواز التأمل الصوفي. وسرعان ما أصبحت الأمة معزول عن قيادتها السياسية. لقد مر على الأمة زمن طويل توالى فيه حكم الطغاة والقادة الفاسدين ومغتصبو العرش والخلفاء الدمى ممن يحركهم أصحاب القوة من ذوي السلطان، مما أضعف معنويات الأمة وأبعدها عن ساحة السياسة. في هذا الجو تلقفتهم الجماعات الصوفية وهيأت لهم التربية الروحية الذاتية والتثقيف من خلال التجربة الصوفية وعوضتهم بذلك عما فقدوه على مسرح التاريخ. وأصبح الدين عندهم مهربًا من الطغيان الذي لا يحتمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت