فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 3028

نتيجة للتدمير الرهيب الذي صبته القوى غير المسلمة على"الأمة"في القرنين السادس والسابع الهجريين - الهجوم التتري من الشرق والحملات الصليبية من الغرب - فََقََد قادة المسلمين أعصابهم وفقدوا الثقة في أنفسهم. ولما ظنوا أن عالمهم الإسلامي قد قضي عليه بالهلاك بالغوا في"المحافظة"وأرادوا أن يصونوا شخصيتهم وإسلامهم الذي هو أثمن ما يملكون وذلك بتحريم كل إبداع والدعوة إلى الاستمساك الحرفي بنصوص"الشريعة". وكانوا في تلك الفترة قد أعلنوا إغلاق باب"الاجتهاد"وهو المصدر الرئيسي للتجديد في القانون، ولما كانوا قد اعتبروا أن"الشريعة"قد بلغت حد الكمال فيما كتبه السلف فقد أعلنوا أن كل خروج على ما كتبوه بدعة ، والبدعة أمر غير مرغوب فيه بل مذموم. وهكذا انتهى الأمر بتجميد"الشريعة"على الصورة التي قدمتها مدارس الفقه ، ومن خلال ذلك (التجميد) فقد ساعدوا على بقاء الإسلام، ولكن بقاء الإسلام، وما تحقق للمسلمين من نصر وتوسع في روسيا وفي البلقان وفي جنوب شرق أوربا ووسطها فيما بين القرنين الثامن والثاني عشر الهجريين لم يحطم قيود الجمود. وإن كان تبني التصوف وطرقه على نطاق واسع قد ساعد المسلمين على مواجهة هذه الصعوبات في غياب"الاجتهاد"كمصدر للإبداع. ولهذا بقيت"الشريعة"نظامًا مغلقًا حتى العصور الحديثة التي أعطي العلم والتكنولوجيا فيها للغرب قوة واجهوا بها المسلمين وهزموهم.

في العصور الحديثة أوقف الغرب الفتوحات العثمانية في أوربا، ثم احتل كل العالم الإسلامي واستعمره وقسمه إلى فرق ، باستثناء تركيا - التي أخرج منها بالقوة - واليمن ووسط جزيرة العرب وغربها حيث لم يكن بها ما يغري بالاستعمار. وقد استغلت القوى الغربية ضعف المسلمين أبشع استغلال ، وساهمت بشكل رئيسي في مرض العالم الإسلامي الذي سبق وصفه في مطلع هذه الدراسة... وفي مواجهة هذه الهزائم والمآسي والأزمات التي أنزلها الغرب بالعالم الإسلامي خلال القرنين الماضيين، حاول زعماء المسلمين في كل من تركيا ومصر والهند أن"يغرِّبوا"الأمة على أمل أن يمنحوها بذلك روح الحياة سياسيا واقتصاديا وعسكريا. ولكن التجربة أثبتت فشلها حيثما تم استخدامها . وكان الحرص على تطبيقها أشد ما يكون في المواقع التي كان فيها فشلها صارخا كما في تركيا ومصر. ففي تركيا فإن التغريب مهد الطريق أمام مصطفى كمال ليلغي كافة المؤسسات الإسلامية ويرفض كل مبدأ إسلامي موروث ذي علاقة بالحياة العامة. أي استبدل النظام الغربي بالنظام الإسلامي كله... واليوم، وبعد جيلين من"التغريب" (ستين سنة وقت صدور الكتاب) ، نرى تركيا تشبه سائر البلاد الإسلامية الأخرى ضعفا وفقرا في كافة المجالات... لقد نجح"التغريب"إلى حد ما في تجريد إحدى طبقات المجتمع من إسلامها، ولكنه لم يفعل شيئًا سوى ذلك. أما في مصر حيث كان الإصرار على"التغريب"أقل، فقد تم زرع نظام غربي وتُرِك النظام الإسلامي التقليدي يحيا معه جنبًا إلى جنب. وكان هناك تنافس بين النظامين ؛ ولكن لم يحرز أي منهما تفوقا يذكر على الرغم من المزايا الهائلة التي تمتع بها النظام الغربي من إنفاق الميزانيات العامة والدعم والمحاباة الحكوميين للنظام الغربي ... وكل ما نجحا فيه هو أن أضعف أحدهما الآخر.

(1) الفقه والفقهاء؛ الاجتهاد والمجتهدون:

يعني مصطلح"فقه"اليوم العلم بالشريعة على مذهب معين ، ومنها"الفقيه"الذي لديه هذا العلم. كما قد يطلق لفظ"الفقه"بالمعنى العام - وكذلك ما اشتق منه - على المعرفة بالشريعة على كل المذاهب الفقهية... وتتطلب هذه المعرفة تمكنًا من اللغة العربية ومن نصوص الأحكام في القرآن والسنة. ومن الواضح أن هذا معنى"اصطلاحي"محصور في حدود ضيقة إذا ما قورن بمعني الكلمة القرآنية"فقه"و"تفقه" (كفعلين) ، وقد تكرر ذكرهما في آيات عدة، وهو معنى يشير إلى الإدراك والفهم، والوصول إلى اللب، والتفسير، وباختصار إلى معرفة الإسلام ككل... إن الانتقال من هذا المعنى العام للكلمة إلى ذلك المعنى التخصصي الضيق لهو في حد ذاته إشارة إلى حاجة الأمة الشديدة إلى معنى عام قادر على استيعاب اتجاهاتها الخلاقة وأنشطتها المتباينة. كما أن هذا التحول في معنى الكلمة، وفقدان الجانب الحيوي الذي كان الاستعمال المبكر لها يشير إليه، ليعتبران دليلًا على"المحافظة"وضيق الرؤية. لقد فهم فقهاء الإسلام العظام - الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل - معنى المصطلح"أصول الفقه"لا على معنى الأصول العامة للقانون الإسلامي، بل على أنه المبادئ الأولى للفهم الإسلامي للحياة والواقع.

وأكثر من هذا فإننا نجد أن الأوائل من فقهاء الأمة - أعني: صحابة رسول الله وجيل التابعين ومؤسسي المذاهب (رضي الله عنهم) - كانوا مبرزين في العلم بكل الأمور التي تؤثر في حياة المسلمين. لقد كان فقهاء العصور الأول موسوعيين بحق ، وأساتذة فعلًا في كل التخصصات من الأدب والقانون إلى الفلك والطب، لقد كان هؤلاء رجالًا متخصصين عرفوا الإسلام لا على أنه قانون فقط، بل على أنه مثال ونظرية ونظام من الفكر وحياة يعيشها ويمارسها بالفعل ملايين من الناس... لقد كانوا يمتلكون أرقى المؤهلات الإسلامية على الإطلاق، وأعني بها"الذوق الشرعي"أو البديهة التي تدرك مقاصد القانون. وإذا كنا نعتبرهم مثلا لتناول مشاكل المسلمين تناولا خلاقا بسبب كفاءتهم المتميزة، فمن المؤكد أن ما لدى"فقيه"اليوم، خريج الجامعة، من علم وحكمة لا يؤهلانه للاضطلاع بالمسؤوليات التي نهض بها أولئك الأولون بنجاح باهر .

وفي داخل النظام التقليدي نفسه ، تمت عدة محاولات للإصلاح الذاتي ، كان أجرؤها ما طرحه محمد عبده وأستاذه جمال الدين الأفغاني. ومع أن أهل الوعي من المسلمين في كل مكان قد باركوا دعوتها لفتح باب الاجتهاد فإن المحاولة قد فشلت لسببين: أولًا لأن المؤهلات التقليدية المطلوبة من"المجتهدين"ظلت كما هي، وبذلك انحصرت ممارسة"الاجتهاد"في خريجي"المدارس"التقليدية، أعني في أولئك الذين لا يرون حاجة إلى الاجتهاد ، إذ أن خريجي المدارس التقليدية هم بالتحديد من تلقوا تعليما أقنعهم بأن المنهج مناسب تمامًا وأن مشكلة العالم الإسلامي تكمن في عدم رغبة الناس في إدراك قيم الإسلام. وثانيا، لأن فهم"المجتهد"على أنه يعني بالضرورة"الفقيه"- أعني الشخص الذي تدرب حتى صار قادرًا على أن يحول المشاكل إلى مصطلحات قانونية ويصدر عليها أحكامًا طبقًا للأنماط القانونية - هذا الفهم قد حصر أو أدرج مشاكل"التحديث"ضمن تلك الأنماط. وهذا قد زاد من تضييق مساحة"الاجتهاد"أكثر وأكثر عن طريق تركيز جهوده كلها في"الفتوى"، أو إصدار أحكام فقهية على أعمال معينة يفعلها - أو يفترض أن يفعلها - المسلمون في حياتهم اليومية. هذا"الفقيه"أو"المجتهد"التقليدي بهذا المفهوم قد أصبح عاجزا عن النظر إلى المشكلة ككل، وضاع على هذا النحو في عملية تحديد درجة التطابق بين الأعمال المعينة وبين المعايير والقواعد التي حددها مذهب أو أكثر. إن الموقف يستدعى منهجية جديدة لا قدرة للمجتهدين التقليديين على تصورها، يستدعى أن تنفتح من جديد طبيعة فهمنا للأصول، أو مصادر المعرفة الإسلامية.

(2) مصادمة"الوحي""للعقل":

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت