إن الانطلاق نحو الغاية الإسلامية والعمل على جعل كلمة الله هي العليا في الزمان والمكان لا غنى لهما عن معرفة العالم المحيط بنا. هذه المعرفة هي هدف العلوم المختلفة. وقد وجدنا المسلمين قبل أن يسقطوا في الضعف والنوم يطورون العلوم ويحددون بوضوح علاقة الإسلام بكل واحد منها من حيث القيم والأنظار المتعلقة بالحياة ، وقد نجحوا كذلك في جعلها جزءًا لا يتجزأ من بناء المعرفة الإسلامية . لهذا حققوا إنجازات رائعة في كل الميادين ، كما استخدموا هذه المعرفة بكفاءة ليرتفعوا بمثلهم الإسلامية. وحين ركدت ريح المسلمين قام غير المسلمين فأخذوا تراث العلماء والمثقفين المسلمين وكيفوه مع نظرتهم للحياة وأقاموا على ذلك مختلف العلوم ، وأضافوا إليه مساهمات ذات قيمة ثم استغلوا كل تلك المعارف الجديدة فيما يحقق مصالحهم. واليوم، هانحن نجد أن غير المسلمين أساتذة لكل العلوم بلا منازع. واليوم نجد مؤلفات غير المسلمين وإنجازاتهم ونظرتهم للعالم ومشاكلهم ومثلهم العليا هي التي تدرس للشباب المسلم في جامعات العالم الإسلامي. إن شباب المسلمين اليوم وفي جامعات المسلمين يتم صبغهم بالصبغة الغربية وعلى أيدي الأساتذة المسلمين.
إن هذا الوضع يجب أن يتغير. لاشك في أن على المتخصصين من علماء المسلمين أن يتقنوا كافة العلوم الحديثة وأن يفهموها حق الفهم وأن يصبح في حوزتهم وطوع أمرهم كل ما يمكن أن تقدمه من فوائد. هذا شرط ضروري وأولي... يلي ذلك أن عليهم أن يدمجوا هذه المعارف الجديدة في بناء التراث الإسلامي عن طريق الحذف والتعديل وإعادة التفسير والتكييف لكل مكوناته طبقًا لما تمليه قيم الإسلام ونظرته للعالم. ومن الواجب أن تحدد بوضوح جهة التلاقي و الملاءمة بين الإسلام وفلسفة كل علم ، أعني مناهجه وأهدافه العليا. كما يجب أن تهيأ المثل الإسلامية. وفي النهاية، عليهم كطلائع أن يعطوا من أنفسهم المثل وأن يعلموا الأجيال الجديدة من المسلمين وغير المسلمين كيف يقتفون خطواتهم ويوسعون من آفاق المعرفة الإنسانية ، وأن يكتشفوا المزيد من قوانين الله في الخلق ، ويؤسسوا طرقا جديدة لوضع إرادته وتكاليفه موضع التحقيق في واقع الحياة.
إن مهمة أسلمة المعرفة (أعنى بالتحديد أسلمة العلوم ، أو بمعنى أوضح ، إنتاج كتب دراسية جامعية في نحو عشرين علما طبقا للتصور الإسلامي) لهي من أصعب المهمات. ولا نعرف مسلما من قبل قد درسها بعمق يكفي لإدراك متطلباتها إدراكا واضحا وتحديد خطواتها ومقاييسها التنفيذية. كل ما فكر فيه مصلحونا السابقون هو العمل على اكتساب معرفة الغرب وقوته ، بل إنهم لم يكونوا مدركين لما بين معارف الغرب والرؤية الإسلامية من تناقض. إن جيلنا الحاضر فقط هو الذي أدرك هذا التناقض إذ عاشه في حياته الفكرية. وإن العذاب الروحي الذي صبه التناقض علينا قد جعلنا ننتبه في فزع مدركين تماما لما يحدث أمام أنظارنا من استلاب للروح الإسلامي في جامعات المسلمين ومن هنا نهضنا ننذر العالم الإسلامي ونحذره من الخطر ونضع لأول مرة في التاريخ خطة مفصلة لإيقافه ومقاومة آثاره ثم وضع التعليم الإسلامي من جديد في مساره الصحيح حتى يؤدي إلى غايته المقدرة.
ومن المؤسف جدًا أن العالم الإسلامي محروم حتى الآن من مركز علمي تتم فيه مناقشة مثل هذه القضايا العليا. إننا بحاجة إلى جامعة تكون بمثابة مركز رئيسي للفكر الإسلامي، فيها تتم عملية أسلمة العلوم ووضع النتائج موضع الاختبار في فصول دراسية وحلقات بحث تتناول مناهج كل من المرحلة الجامعية ومرحلة الدراسات العليا. وقبل أن تبدأ جامعة"إسلام أباد"التعاون مع"المعهد العالمي للفكر الإسلامي"، لم نجد أي معهد تعليمي في العالم الإسلامي قد حرك ساكنا نحو أسلمة المعرفة أو إعداد كتب إسلامية في المواد الدراسية تصلح للاستخدام في الكليات أو حتى إعداد الأدوات الضرورية للبحث من أجل تأليف هذه الكتب. ورغم ذلك، فإن المرء يسمع في كل مكان عن الحاجة إلى أسلمة التعليم: رجاله ومؤسساته، مناهجه وكتبه. وعلى المستوى الرسمي حيث تتوفر قوة اتخاذ القرار، لا يجد المرء أكثر من الكلام الذي يصدر عن الجهلاء أو يستهدف تضليل الجماهير.
إن هذه المهمة هي أنبل المهمات وأسمى تحقيق للإدارة الإلهية وأول الواجبات الأخلاقية وألزمها. إن ديانات العالم ونهضة الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي لم تبدأ نموها وتطورها ولم تنجز ما أنجزت بدون قضية كهذه تمد أتباعها بالحياة والحركة. وأضعف الإيمان أن يقال: إن المسلمين كذلك عليهم أن يعقدوا العزم الأكيد على التضحية بأرواحهم في سبيل قضية إن أرادوا لأنفسهم أن يصبحوا من صانعي التاريخ لا مجرد متأثرين به. ومع ذلك فإن الإسلام ليس واحدا من تلك النظريات يُنْظَم معها في سلك واحد، ولا هو بالذي يعرض دعواه على أنها عقيدة جاءت نتيجة التجربة الشخصية والاختيار الذاتي يجوز أن تتبنى ويجوز أن ترفض بطريقة اعتباطية. إن دعوى الإسلام دعوى عقلية وضرورية ونقدية. إنها ذات صلاحية عالمية ولها على البشرية شرعا حق الاعتراف بها والإذعان لها. فمن جانبها العقلي لا يمكن أن تقابل إلا بالدليل والبرهان وهو ما يجب أن يرحب به من يعتنقها من المسلمين ويرد عليها بالحجة. إن كل مكونات دعوى الإسلام، وكذلك علاقته بكل العلوم لا يمكن أن تقبل دون دليل مقنع. ومادامت الرؤية الإسلامية قد أقامت دعواها ورفعتها في وجه أعلى مستويات العلم وأبرزتها حقيقة واقعية في وجه أسمى درجات الوعي وأشدها حساسية ، فإنها - والحال هذه - لا يمكن أن ترفض أو تقاوم إلا بدافع من اللامنطقية أو الحقد. والأولى هي سمة الجهلاء ذوي الفقر العقلي، والأخرى هي سمة الأعداء الألداء. كلا الفريقين يشكل ما أسماه الإسلام"بالجاهلية".
هذه إذن هي المهمة التي تواجه رجال الفكر والقادة من المسلمين، أن يعيدوا صياغة التراث البشري كله من وجهة نظر الإسلام. ولن يوجد التصور الإسلامي ما لم يكن تصورًا للحياة والحقيقة والعالم ، وهذا المضمون هو هدف الدراسة في مختلف العلوم. إن إعادة صياغة المعرفة على أساس علاقة الإسلام بها ، بمعنى"أسلمتها"، أي إعادة تعريف المعلومات وتنسيقها وإعادة التفكير في المقدمات والنتائج المتحصلة منها ، وأن يقوم من جديد ما انتهي إليه من استنتاجات وأن يعاد تحديد الأهداف.... على أن يتم كل ذلك بحيث يجعل تلك العلوم تثري التصور الإسلامي وتخدم قضية الإسلام - وأعني بها وحدة الحقيقة ووحدة المعرفة ووحدة الإنسانية ووحدة الحياة والطبيعة الغائية للخلق وتسخير الكون للإنسان، وعبودية الإنسان منه - أن تحل هذه محل التصورات الغربية وأن يتحدد على أساسها إدراك الحقيقة وتنظيمها. كذلك لابد للقيم الإسلامية - وأعني بها أثر المعرفة في تحقيق السعادة للإنسان وتفتح ملكاته وإعادة النظر في المخلوقات بحيث تجسد السنن الإلهية وبناء الثقافة والحضارة، وإقامة معالم إنسانية بارزة في المعرفة والحكمة والبطولة والفضيلة والتقوى والورع - لابد لهذه القيم من أن تحل محل القيم الغربية وأن توجه نشاط التعليم في كل المجالات.
ورغبة في الدقة والوضوح سأتناول في الفصل التالي المبادئ السابقة بشيء من التفصيل.
الفصل الثالث
التصور المنهجي
(أولا) جوانب القصور في المنهجية التقليدية