أما في الفكر الإسلامي فالله هو مبدأ كل شيء وهو غاية كل شيء. فوجوده تعالى وأفعاله هي الأسس الأولى التي عليها يقوم بناء كل المعارف ونظامها. وسواء أكان موضوع المعرفة هو عالم الذرة الصغير أم عالم النجوم الكبير أم أعماق النفس أم سلوك المجتمع أم مسيرة التاريخ ، فإن المعرفة الإسلامية تنظر إلى موضوع المعرفة من الناحية المادية على أن وراءه عوامل وملابسات تقدمه ومنها انبثق هذا الشيء، أما التصريف الفعلي للأسباب والذي به يوجد شيء معين من بين ما لا يحصى من الأشياء الممكنة الأخرى والتي يمكن أن تؤدي إليها تلك العوامل ذاتها فذلك عمل الخالق سبحانه ويتم بأمره. كذلك، فإن المعرفة الإسلامية تعتبر أن كل شيء في نطاق المعرفة إنما يحقق غاية أرادها الله أو يخدم غاية أخرى مرادةٌ لله تعالى أيضا. وذلك حتى يصبح نظام الأسباب في هذا الكون نظامًا من الغايات على قمتها تقف الإرادة الإلهية لتحدد غاية كل موجود فرد ، وغاية كل سلسلة من الغايات، وغاية النظام العام كله. وتدرك المعرفة الإسلامية أنه ليس ثمة موجود أو حقيقة أو قيمة خارج النظام العام بسلاسله وتشابكاته، النظام الذي مصدره وغايته هو الله تعالى، وأن أي شيء يُتصور أو يُعرف أو يُقوّم خارج النظام الذي حدده الخالق فهو إما غير موجود ، وإما زائف ، وإما لا قيمة له ، وإما أنه فحسب تصور خطأ على أنه خارج ذلك النظام.
(2) وحدة الخلق:
أ- النظام الكوني: إن وحدانية الله سبحانه وتعالى تستلزم بالضرورة العقلية وحدة الخليقة كلها. كما قال سبحانه في كتابه العزيز: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا((الأنبياء: 22) . فلو كان هناك أكثر من حقيقة مطلقة واحد لما بقيت هناك حقيقة مطلقة. زد على هذا أن الكون حينئذ كان سيتبع لنظامين مختلفين، ولو حدث هذا فلن يكون ذلك كونًا منتظمًا كما نعرف. وكذلك فلن يكون من الممكن لنا نحن البشر أن نعرف كونًا يسوده أكثر من نظام. إن علينا أن نتذكر أن النظام الكوني هو الذي يمكننا من أن نتبين الأشياء في صورة مواد أو خصائص أو علاقات أو أحداث. فمن خلال الاتساق أو الوحدة في النظام الكوني نتمكن من إدراك استمرارية المواد كأشياء وتكرار الحوادث كعلاقات سببية. وبدون هذا النظام الكوني لا تكون الأشياء ولا الأسباب والنتائج هي هي.
إن الخليقة كلٌّ واحد متكامل لأنها ببساطة من صنعة خالق واحد سرى نظامه وتقديره في كل جزء منها. إن النظام الكوني يتكون من قوانين الطبيعة. وهذه القوانين تؤدي وظيفتها في هذا العام وتسرى إلى كل جزء وكل جانب منه، ماديًا كان أو فضائيًا، جسمانيًا أو نفسيًا، اجتماعيًا أو أخلاقيًا - كل ما هو واقع يخضع لتلك القوانين وينفذها. هذه القوانين هي"سنن"الله تعالى في خلقه. إن الله سبحانه وتعالى ليس مجرد مصدر لهذه القوانين، كما أنه لم يخلق الطبيعة ويضع لها النظام والقانون الذي تسير عليه ليتركها تسير نفسها دون أن يتحكم فيها. إنه لم يتخل عن تدبير خلقه، وإنما هو حي فعال إلى ما لا نهاية. وعليه فإن كل كائن يوجد وكل حدث يقع في الكون إنما يتم بأمره. حقًا إن لدى كل كائن في أي من مراحل وجوده، قوة ذاتية دافعة تمكنه من التغير، لكن الحق أيضًا أن هذه القوة الدافعة قد أوجدها الله وهو الذي يحفظها. وأكثر من هذا فإن هذه القوة المحركة لا تؤدي دائما بذاتها إلى النتائج المرتبطة بها بشكل ضروري لا يتخلف، وإنما بأمر الله تتولد النتائج المعينة عن الأسباب المرتبطة بها عادة فالله سبحانه وتعالى قد يجعل سببًا ما يؤدى إلى نتيجته مباشرة، لكنه قد يحدث سببًا ما عن طريق أسباب أخرى فيكون ما يظهر لنا على أنه سلسلة حتمية من الأسباب لا يعدو أن يكون سببًا إلهيًا تمامًا كالسبب المفرد. ومن جانبنا نحن البشر فإننا نثق بالله تعالى، أو بنظامه الكوني فنطمئن إلى أن سببًا معينًا سوف تتبعه نتيجة معينة. وإذن فكما اكتشف"الغزالي"و"هيوم"، على ما بينها من خلاف في المبادئ، فإن ارتباط السبب بالمسبب ليس أمرًا حتميًا. فالواقع أن ما نسميه بالسببية ليس إلا عملية"تتابع"وتكرار تقودنا إلى الاعتقاد بأن سببًا ما تتبعه عادة نتيجة ما. وليس لهذه العقيدة من أساس تقوم عليه سوى كرم الكائن الأعلى، فالله سبحانه وتعالى لا يخدع أو يضلل. إنه خالق كريم نظم الكون ليجعله صالحًا لأن نحيا فيه ولأن نفهمه، وكذلك كي نتمكن من ممارسة الخيارات الخلقية أمامنا ونبرهن - من خلال الأعمال - على ما لنا من قيمة أخلاقية.
ب- الخليقة كمملكة من الغايات: الله سبحانه وتعالى (خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (الفرقان: الآية2) . هذا التقدير هو الذي يعطي كل شيء طبيعته وعلاقاته بالأشياء الأخرى، ومنهجه في الوجود. كذلك، فإن التقدير الإلهي يًخضع كل شيء ليس فقط لنظام الأسباب المشار إليها فيما سبق ، بل أيضا لنظام من الغايات. فكل شيء له غاية ومسوغ لوجوده يخدمه من خلال حياته. هذه الغاية ليست نهائية أبدًا، وإنما هي دائما خاضعة لغايات أخرى تكوّن معها سلسلة تنتهي نهايتها عند الله الذي هو الغاية المطلقة والنهاية التي إليها يعود كل شيء. إن إرادته تعالى هي التي تجعل الخير خيرًا.
وعليه، فإن لكل شيء موجود علاقة السبب أو النتيجة بكل شيء آخر، فضلًا عن كونها علاقة ذات نهاية، أو هي وسيلة لغاية معينة. أليست غاية كل الغايات على اختلاف ضروبها تنتهي إلى الله سبحانه؟! إن شبكة العلاقات غير منتهية. وهي - بالتأكيد مجال مفتوح أمام البشر للبحث والمعرفة والإعجاب. ولكن ما دامت العلاقات لانهائية فلن يستطيع البشر أن يعرفوا سوى القليل منها على قدر الضوء الضئيل الذي معهم في تلك الغابة المظلمة إن صح التعبير. لكن واجبهم دون غيرهم أن يجتهدوا دائمًا في البحث عنها واكتشافها. واكتشاف تلك العلاقات وتقنينها يعني وضع الأسس لمعرفة السنن الثابتة التي وضعها الله سبحانه وتعالى ولتقدير تلك السنن حق قدرها.
ولما كان لكل مخلوق غاية يعمل لخدمتها، ولما كانت كل الغايات مرتبطة ببعضها البعض برباط السبب والنتيجة فإن كل هذا يجعل من الكون نظامًا غائيا هادفًا نابضًا بالحياة مفعمًا بالمعنى... فالطير في الفضاء والنجوم في السماء والأسماك في أعماق البحار والكواكب والعناصر - كل تلك أجزاء متفاعلة في النظام الواحد. لا شيء منها عاطل أو شرير، حيث إن كل كائن له وظيفته ودوره في حياة الكل. وهي معًا تكوّن بناء عضويًا تتفاعل أجزاؤه وأعضاؤه بطرق لا يزال البشر في بداية الطريق إلى اكتشافها بفضل العلم، لكن في أجزاء محدودة جدًا من الطبيعة.