فهرس الكتاب

الصفحة 768 من 3028

هناك المقاهي .. يمكن أن يسهر فيها الناس إلى منتصف الليل ، يلعبون النرد ، أو يلعبون الورق ، أو يشربون"الشيشة"، أو يثرثرون في شتى الأحاديث التي كان مكانها من قبل زيارات الناس بعضهم لبعض في البيوت ..

وتلك المقاهي هي على أي حال"للأتقياء"من الناس !

أما غير الأتقياء فلهم أماكن أخرى - كثيرة - يسهرون فيها خارج البيت ..

أمامهم البارات والحانات .. وقد سارع الغازي الصليبي بعد تنحية الشريعة إلى إعطاء تصاريح رسمية ببيع الخمر ، وإيجاد أماكن مرخص بها يجلس الناس فيها ليحتسوا الخمر علانية .. وكتب عليها أن تقدم"المشروبات الروحية"! (51) لروادها ! وأمامهم المسارح والمراقص ودور اللهو ..

وأمامهم بيوت الدعارة الرسمية ، مفتوحة بإذن الدولة .. الدولة"المسلمة !"وعليها حراسها يحمون القائمات ببيع الرذيلة فيها كما يقومون بحماية أي مرفق من مرافق المجتمع.. (52) .

وأصبح السهر خارج البيت سمة من سمات"المجتمع الجديد"الذي استحدثته الأمة في التيه ، يفكك روابط البيت التقليدية ، وينشئ أجيالا لا تستمتع بما كانت تستمتع به الأجيال السابقة من رعاية الأب ، ووحدة المشاعر ، وألفة النفوس ..

ثم جاء دور المرأة لتخرج كذلك من البيت !

جاءت قضية"تحرير المرأة"..

ولقد كانت المرأة في حال ممعنة في السوء ..

جاهلة لا تقرأ ولا تكتب ولا تتعلم .. مغلفة بالوهم والخرافة ، لا تفقه شيئا مما يدور في مجتمعها ولا في العالم كله من حولها . حديثها مع جاراتها هو عن الأضرحة والمشايخ ، والحسد و"العمل"، والعفاريت والجن ، وما أصاب الأولاد من أمراض ، وما وصف الشيخ من علاج بالأحجبة والتمائم .. والتي طلقها زوجها ليتزوج الأخرى التي سحرت له ، والتي اشتعلت غيرة من ضرتها .. والتي كادت لحماتها وكادت حماتها لها ..

ثم كانت مهينة مهضومة الحقوق سواء كانت فتاة في بيت والدها ، أو زوجة في بيت زوجها ، أو مطلقة محرومة من أولادها ..

وكانت نظرة الرجل إليها نظرة نظرة أقرب إلى الحيوانية ، فإن خرجت عن الحيوانية فهي في محيط الحمل والولادة والإرضاع وتدبير المنزل ولا زيادة ..

ولم يكن ذلك كله من تعاليم الإسلام .. بل كان خروجا على تعاليم الإسلام ، التي تقرر المساواة في الإنسانية وتوجب على الرجال معاملتهن بالمعروف:

(.. فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ .. ) (53) .

( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (54) .

( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (55) .

( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (56) .

( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ) (57) .

( خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي ) (58) .

( لا تنكح الثيب حتى تستأمر ، ولا تنكح البكر حتى تستأذن . وإذنها صمتها ) (59) .

وقد كانت المرأة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم"شقيقة"الرجل كما بيّن عليه الصلاة والسلام في قوله:"إنما النساء شقائق الرجال" (60) . فكانت شريكة في الإيمان ، وشريكة في الدعوة ، وشريكة في الجهاد ، وشريكة في بناء المجتمع الجديد على قيم الإسلام ومبادئه ، ولا تقوم هذه الشركة إلا بالممارسة الفعلية لتلك القيم والمبادئ .. كل ذلك في نظافة خلق ، وطهارة من الدنس ، وعفة عن الحرام ، والتزام بالحجاب ،والتزام بأمر الله ورسوله ، التي تحرّم الخلوة بالأجنبية ، وتحرّم الاختلاط بغير موجب ، وتحرّم السفر بغير محرم ، وتحرّم النظرة التي هي سهم من سهام إبليس ..

ولكن المجتمع الإسلامي كان قد وقع في ردة جاهلية بالنسبة للمرأة - إلا من رحم ربك - فعاد ينظر إلى المرأة النظرة الدون ، ويعيرها بأنها تحمل وتلد ولا زيادة ..

وكان الأمر في حاجة إلى العالم الرباني ، المجدد المجاهد ، الذي يرفع المجتمع إلى مستوى الإسلام الحق في قضية المرأة ، وكل قضايا الوجود .. ولكن الأمة - في التيه - تناولت علاجا آخر .. !

كان العلاج الذي تناولته هو"تحرير المرأة"على الطريقة الغربية ..

وما بنا أن نعيد هنا ما قلناه في كتب أخرى عن قضية تحرير المرأة ، والخطوات التي مرت بها حتى وصلت إلى صورتها الأخيرة (61) .. ولكنا نتكلم هنا عن صور التيه التي دخلت فيها الأمة حين بعدت عن الطريق ..

خرجت المرأة من بيتها ، وكان هذا هدفا من أهداف التوجيه الصليبي الصهيوني للبلاد الإسلامية ، مقصودا بذاته ، كما كان إغواء الرجل للسهر خارج البيت هدفا مقصودا كذلك . ولكن هذا وذاك كانا مجرد خطوة في طريق أطول وأبعد ..

حين هجرت المرأة البيت ، هجرت معه كل القيم والمفاهيم المتعلقة به ، حتى ما كان من أصل الدين الذي أمر به الله ورسوله ، والذي لا يجوز تغييره ، لأن تغييره يحدث الفساد في الأرض ..

كله تغير ..

ألقت المرأة حجابها وانسلخت منه ، وهو من أصل الدين الذي أمر به الله ورسوله .

وتدرجت في تعرية جسمها حتى وصلت شبه عارية إلى شاطئ البحر .. وهي أمور حرمها الله ورسوله ..

وحين خرجت إلى الطريق ، وأعطت نفسها حق الكشف عما تريد كشفه من جسدها ، بدأت الفتنة .. وكان مستحيلا ألا تحدث .. وحتى لو فرضنا - جدلا - أنها في مبدأ الأمر - لم تخرج للفتنة ، فقد وجدت الفتنة طريقها إلى قلبها - وقلب الرجل كذلك - من أيسر سبيل ! فها هي ذي تظهر أمام الرجل ، وها هي ذي تبدي له من زينتها ما من شأنه أن يستثيره ، واستثير بالفعل ، وعلمت ذلك يقينا ، ورضيت عن نفسها وهي تفعل ذلك .. وبالتدريج أصبحت الإثارة هدفا ، تعمل على ترويجه بيوت الأزياء"بالمودات"المختلفة ، وبيوت الزينة بالعطور والمساحيق .. والصحافة النسوية وركن المرأة في الصحف العامة بالصور والأخبار والتوجيهات والتعليقات:"فستان يبرز مفاتن الصدر"! و"فستان يبرز مفاتن الظهر"! و"كيف تجذبين انتباه الرجل"و"كيف تكسبين عواطف الرجل"وكيف .. وكيف وكيف (62) ..

وحين صارت الفتنة هدفا مقصودا لم يكن يُتَصَوّرُ أن يظل الأمر كله نظريا ولا شفويا .. ولا بد أن يقع المحظور ..

ووقع المحظور ..

وكان مخالفا بطبيعة الحال لكل أعراف المجتمع وتقاليده وموروثاته وقيمه ومبادئه وأخلاقه ..

وهنا قام الطبالون الزمارون بمهاجمة تقاليد المجتمع وموروثاته التي تحظر المحظور ! ونادت بضرورة إباحة ما حظره الدين !

وانحل المجتمع بالفعل ، وصار ينظر إلى المحظور على أنه مباح ، وينظر إلى الحظر بعين الاستنكار !

لم تعد القضية: كيف جرؤ الناس على إباحة المحظور .. وإنما أصبحت: لماذا يحظر الدين ما يجب أن يباح ؟!

ونشرت - عمدا - آراء فرويد وتعاليمه ، وتخصصت لها صحف ومجلات ، لتقول إن الحظر - سواء كان منبعه الدين أو المجتمع أو الأخلاق - يورث الكبت ، والعقد النفسية ، والاضطرابات العصبية .. ولا بد من إباحة المحظور لتستقر النفوس !!

وانفلت الأولاد والبنات - وهم في ظلمات التيه - يحسبون أنهم أحرزوا أعظم نجاح في التاريخ !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت