ما حال البيت .. ؟
وما حال المسجد ؟
البيت الذي هجرته سيدته لتخرج إلى الشارع ، سواء للعمل أو للفتنة ، أو للعمل والفتنة معا .. كيف يتوفر فيه السكن الذي جعله الله آية من آياته:
( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا .. ) (63) .
وكيف تتوفر فيه العناية اللازمة للطفولة ، التي يتربى فيها الطفل على القيم والمبادئ والأفكار والعقائد التي يقوم المجتمع عليها ؟
لقد كان تدمير البيت هدفا مقصودا في المخطط الشرير الذي وضعه اليهود لإفساد حياة الأمميين من أجل استحمارهم في النهاية ، وقد وجدوا المجال مفتوحا أمامهم في أوربا فاستغلوه جيدا ، حين خرجت المرأة للعمل من أجل الحصول على لقمة الخبز ، ثم أشعلوا قضية"تحرير المرأة"لينفروها من البيت و يحببوا إليها هجره .. فتفككت الأسرة وانحل المجتمع .. وبقي المجتمع الإسلامي على كل ما فيه من اختلالات محافظا على روابط الأسرة وروابط"البيت".. وكان هذا عقبة في طريق المخطط اليهودي العالمي لإفساد الأمميين جميعا في كل الأرض ، والمخطط الصليبي لإفساد المجتمع الإسلامي بخاصة ، ليسهل على الجميع السيطرة والتمكن ، وإزالة العدو الباقي لهم في الأرض ..
وتم المطلوب ..
لم يعد"البيت"بالمعنى الإسلامي موجودا في المجتمع .. لم يعد ذلك المحضن الذي يعلّم الأطفال الإسلام ، ويربيهم على تقاليده ، ويرسّخ فيهم قيمه وتصوراته .. وفرك الأعداء أيديهم سرورا بهدم الركن الركين الذي يمكن أن ينبعث منه الإسلام من جديد .. فلا خطر اليوم من الرجل ولا من المرأة ولا من الأطفال ..
وهُجِرَ المسجد ..
المسجد الذي كان دائما في حياة المسلمين مركز الإشعاع ..
كان رمزا لكل معاني الخير ..
فيه يذكر الله وتقام الصلوات .. وفيه يتعلم الناس العلم .. وفيه يتربون على القيم الإسلامية .. ومنه ينطلق الجهاد .. وفيه تبرم الأمور ..
كان البيت محضن الصغار ، والمسجد محضن الكبار .. والمؤسستان معًا تتعاونان على إقامة البناء على أسس راسخة .. وهدم"البيت"بالمعنى الإسلامي ، وهجر المسجد .. فهدمت المحاضن التي تربي الناس على الإسلام ..
وبقدر ما هجر المسجد امتلأت السينمات والمسارح ودور اللهو ودور الفساد ..
وهنا قيل للناس: لا بأس عليكم ! ما زلتم مسلمين ما دمتم تقولون لا إله إلا الله ، فأنتم مسلمون !
لم يقف التيه بالأمة عند هذا الحد ..
ففي عالم الفكر كان التيه واسعا إلى أقصى حد ..
لقد انفتح"المثقفون"على الفكر الغربي ، ثم ترجموه إلى العربية سواء نسبوه إلى أصحابه الأصليين - إن كانوا أمناء - أو نسبوه إلى أنفسهم وتفاخروا به كذبا وزورا إن كانوا غير أمناء . وكثيرٌ ما هم !
وقد كانت في الفكر الغربي قضايا تستحق الوقوف عندها بالفعل .. قضايا عن"الإنسان"، وغاية وجوده ، وعلاقات الفرد بالفرد ، والفرد بالمجتمع ، والفرد بالدولة ، والإنسان والطبيعة .. والإنسان والله .
وكان أفسد ما في هذا الفكر حديثه عن الإنسان والله .. فقد كان الوضع فيه مقلوبا مائة في المائة .. تأليهٌ للإنسان وإنكار لألوهية الله .
ولا نخوض هنا في الأسباب التي أدت بأوربا إلى هذا الانحراف الحاد في هذه القضية بالذات ، فقد تحدثنا عنها في أماكن أخرى (64) .. ولكنا نذكر فقط أن الفكر"الإسلامي !"قد تتبع الفكر الغربي في جميع انحرافاته ، ولم يمنعه شيء من أن يخوض كذلك انحرافات الغرب في قضية الإنسان والله (65) .. وكان ذلك في عدة مجالات ..
من بين تلك المجالات - وفي مقدمتها - قضية التشريع ..
لمن يكون حق التشريع ؟ لله أم للإنسان ؟
كان من الواضح أن الإسلام يقرر أن حق التشريع لله وحده بلا شريك: ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) (66) ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) (67) ( وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (68) في شئون الكون وشئون التشريع سواء ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (69) ( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ) (70) .
وكان من الواضح كذلك أن أوربا تقرر - قولا وعملا - أن الله لا شأن له بالتشريع ، وأن حق التشريع موكول للإنسان .
ودارت الأمة دورة في التيه فقال قائل منها: إن الإسلام لا علاقة له بنظام الحكم ! وإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن حاكما ، إنما كان قاضيا يقضي بين الناس ! وإن الخلافة لم تكن نظام حكم !
ودارت دورة أخرى في التيه فقال قائل منها: إن الشريعة التي نزلت قبل قرون طويلة لم تعد تصلح لأن تحكم حياة البشر اليوم في عالم متطور ، لا وجه للشبه بينه وبين العالم الذي نزلت فيه تلك الشريعة قبل ذلك المدى الطويل من القرون !
ودارت دورة أخرى فقال قائل منها: إن الإسلام نظام دكتاتوري .. يقوم على الإستبداد بالسلطة ، ويهمل"الأمة"التي هي - في الدولة"العصرية"- مصدر السلطات ..
وإذا كان الجدل قد ثار - بالعدوى من أوربا - حول حق الله في التشريع ، والتحليل والتحريم ، فقد ثار كذلك حول حق الله في تقرير القيم وتقرير المعايير ..
من الذي يقرر القيم التي تحكم حياة الإنسان ؟ الإنسان أم الله ؟
فأما الإسلام فقد قرر بوضوح أن الله هو الذي يقرر القيم كما يقرر الشرائع لأنه هو الخلق المدبر الرزاق:
( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) (71) .
(.. هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) (72)
وأما أوربا فقد تمردت على ألوهية الله ، وألّهت الإنسان بدلا منه ، وقالت إن الإنسان هو الذي يقرر قيمه لأنه أعلم بواقعه ، وأعلم بمصلحته !!
وكتب أحد كتابها كتابا سماه"الإنسان يقوم وحده Man Stands Alone"أي بعيدا عن وصاية الله ، وكتب آخر كتابا سماه"الإنسان يصنع نفسه Man Makes Himself"أي بعيدا عن تعاليم الله .
وقد كانت لأوربا ظروفها التي أدت بها إلى هذا الموقف المتمرد على الله ، وهي ظروف قد تفسر ولكنها لا تبرر ، فإنه لا شيء على الإطلاق يبرر الكفر بالله .
ولكن الأمة - في التيه - لم تدرك القضية على حقيقتها ، وظنت أنه من دلائل"التقدم"أن يصوغ الإنسان قيمه بنفسه ، ويحدد معاييره ! أليس الله قد وهب للإنسان عقلا يفكر به ؟ وها هو ذا الإنسان يشغّل عقله ليضع منهاج حياته ، مستعينا بثمار العلم وثمار التجربة .. وأي إنسان هو الذي يصنع ذلك ؟! إنه"ذلك"الإنسان ! القوي المتمكن المتفكر المتعمق ، الذي يسيطر على كل الأرض ، والذي نحبو نحن من خلفه حَبْوًا ، بينما هو يكتسح الطريق !
لم تدرك الأمة أوجه الخلل في هذه القضية .
لم تدرك أولا مجالات العمل المطلوبة من العقل البشري ، الذي أنعم الله به على الإنسان ، وفضّله به على كثير ممن خلق ..
( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) (73) .