إن الاقتصاد الحديث لا يمكن إدارته بدون الربا .. لا يمكن ! لأنه لا بد من بنوك تقرض أصحاب الأعمال .. والبنوك شأنها هكذا .. لا تعمل بغير ربا ! لأنها لا بد أن تضمن أموالها التي تقرضها لأصحاب الأعمال .. فكيف إذا حكّمتم شريعتكم التي تحرّم الربا ؟! تتوقف البنوك عن الإقراض ، ويعجز أصحاب الأعمال عن إدارة أعمالهم ، فتتوقف دورة الاقتصاد ، وتتخلف الأمة ، ويسبقها غيرها . الربا ضرورة . والضرورة تبيح المحظور .. فاحتفظوا بشريعتكم في قلوبكم .. أما واقعكم فاتركوه ينطلق مع دوامة الحياة الحية .. أو فلتبقوا جامدين ، ودعوا أوربا تسبقكم في جميع المجالات !
وتقبلت الأمة - في التيه - كل القول على عواهنه .. وانساقت مع"الأمر الواقع".
ولم يكن لديها من الوعي أو البصيرة ما تفند به القول ، فضلا عن أن يكون لديها مبادرتها الخاصة المستمدة من فكرها وتصوراتها وعقيدتها .. فضلا عن أن تعتز بوضعها الذي أخرجها الله من أجله فتكون هادية ورائدة تصحح للبشرية أخطاءها وانحرافاتها ..
( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (46) .
فأما أن بنوكهم هكذا .. فنعم !
فالبنك - في صورته الغربية - فكرة يهودية بحتة ، وتنفيذ يهودي كذلك ..
فحين قامت الثورة الصناعية في أوروبا - وكانت في حاجة إلى المال لتمويل مشروعاتها - لم يكن هناك من يملك المال المطلوب إلا أمراء الإقطاع والمرابين اليهود .. وقد أحجم أمراء الإقطاع عن تمويل الحركة الصناعية لأكثر من سبب ، فتقدم المرابون اليهود لعملية التمويل ولعابهم يسيل ! فقد أتيحت لهم فرصة"ذهبية"لتشغيل أموالهم بالربا على نطاق واسع . فهم لم يكونوا يشاركون بالمال الذي في أيديهم في المشروعات الصناعية - وقد كان كثير منها يخسر في مبدأ قيام الثورة الصناعية لإحجام كثير من الناس عن استخدام ما تنتجه الآلة ، كما كانت طرق المواصلات غير ممهدة ، وكان التخطيط شبه معدوم ، والإعلان عن المنتجات غير متوفر - إنما كانوا يقرضون المال بالربا .. وسواء كسب المقترض أم خسر ، فهم في مأمن من الخسارة بما يفرضون من ربا مقابل إقراض المال .. وحتى ذلك المال لم يكن كله مالهم الخاص ! فقد كان كثير منه من الودائع التي تعوّد الناس في أوربا أن يودعوها عند اليهود . وهكذا ولدت فكرة البنك الذي يأخذ ودائع المودعين فيقرضها للمقترضين مقابل جعل ربوي يفرض عليهم ، ويعطى صاحب الوديعة جانبا من الفائدة على وديعته ، ويأخذ البنك - أي أصحابه اليهود - بقية"الفوائد"ربحا خالصا مقابل لا شيء ! أي مالا حراما لا يحله الله:
( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ) (47) .
وأما أن الاقتصاد"الحديث"لا يصلح بغير الربا ففرية يهودية ، أطلقها اليهود وروّجوها ليضمنوا لأنفسهم السيطرة المستمرة على عالم الاقتصاد - الذي يسيطرون عن طريقه على حياة الأمميين السياسية والاجتماعية والأخلاقية والفكرية والإعلامية ، ويستحمرونهم به لحسابهم الخاص - وعقلاء الغرب أنفسهم بدءوا يرون بأعينهم ويلات الربا ، ويفكرون في منهج بديل .
ولكن الأمة الإسلامية - في التيه - لم تكن تجرؤ حتى أن تحدث نفسها في سريرتها بأن الغرب يمكن أن يخطئ ! إنما المخطئ من يخالف الغرب ! وعلى المخالف أن يصحح موقفه ليتناسق مع"الأمر الواقع"أو"مع الرأي العام العالمي"أو مع"مقتضيات الحياة الحديثة"أو مع ما يكون من المسميات !
وقام"المفتي"يحلل الربا"البسيط".. ربا"صندوق البريد".. بحجة أن المحرم هو"الأضعاف المضاعفة"وليس أصل الربا ! وقام غيره يحلل ربا السندات التي تصدرها الدولة ، بحجة أن الدولة لا ينطبق عليها ما ينطبق على الأفراد !! وقام غيره وغيره وغيره .. وقام آخرون - في التيه - ينادون علانية بوجوب تنحية الشريعة من أجل التقدم الاقتصادي الذي تتحقق به"مصلحة"الشعوب !
وتغيرت الحياة الاجتماعية ..
تفككت روابط الأسرة ..
وأصبحت"الأسرة الكبيرة"عيبا يتندر به"المثقفون"!
ذلك أن"المثقفين"قرءوا فيما قرءوا عن حياة الغرب أن الأسرة الكبيرة التي تشمل الأجداد والأحفاد إلى جانب الآباء والأبناء كانت سمة من سمات المجتمع الزراعي - الذي يوصف دائما بأنه مجتمع متخلف - أما المجتمع الصناعي - الذي يوصف دائما بأنه المجتمع المتطور - فقد ذابت فيه الأسرة الكبيرة ، وصارت الأسرة تقتصر على الأب والأم والأولاد .. وحتى الأولاد فإلى سن معينة ثم ينفصلون عن آبائهم ، ويؤسسون لأنفسهم حياتهم الخاصة ، ولو لم يتزوجوا ويكوّنوا أسرة .. فهذا أمر آخر ! إنما المهم هو الاستقلال الاقتصادي الذي يصحبه الانفصال عن الأبوين !
يا له من تقدم !
وإذا كنا نحن بعواطفنا"الشرقية"لا نتحمل هذه الجرعة الكبيرة من التقدم الحضاري ، فلنقتصر على إخراج الأجداد والأحفاد من نطاق الأسرة .. ولتظل الأسرة هي الأب والأم والأولاد ، إلى أن يتزوجوا ويكوّنوا أسرهم الخاصة ، ولنترك الأسرة الكبيرة لسكان الريف ، بحكم أنهم مجتمع زراعي متخلف ، لا يرجى له أن يتحضر من قريب !
أما الروابط الأسرية الموروثة التي كان منبعها تعاليم الدين فقد آن لها أن تتغير ، لأن الدين لم يعد في هذا العصر مصدر التوجيه . لقد صارت العلاقات الاقتصادية هي محور الحياة"الحديثة" ( يقولها قائلها مفتخرا بأنه نال شيئا من"الحداثة"ولو بلمس اليد من بعيد ! ) وصارت هي التي تقرر للناس روابطهم (48) ، فإذا تعارضت معها تعاليم الدين ، فتعاليم الدين هي التي ينبغي أن تتنحى .. لأنها نزلت في جو آخر ، ولقوم آخرين .. ولم يعدلها مجال في عالمنا المتطور الحديث ..
وانفك رباط الناس بالبيت ..
لقد كان البيت المسلم هو"المجتمع"الصغير الذي ينشأ فيه الصغار ويرتبطون بالكبار ، يرتبطون رباط الأبناء بآبائهم ، ورباط القيم والأخلاق والتقاليد ، ورباط الألفة والمودة ، ورباط الاستقرار النفسي والعاطفي ، وكلها معانٍ - كانت - مستمدة من الدين ..
( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (49) .
( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) (50) .
ولكن الأحوال تغيرت ..
أصبحت هناك - في الخارج - جواذب تجذب الناس إلى خارج البيت ..