والمغالطة الثانية: هي تجاهله ما هو واقع بالفعل في المجتمع الفرنسي من آثار مثل هذه العلاقة، وقد علم يقينا بلا شك أن ذلك المجتمع يعج بألوان من العلاقات الأخرى [غير البريئة] ويسمح بها بلا رادع. فلم يكن ذلك سرا مخفيا عن أحد ممن يعيش في ذلك المجتمع، سواء من أهله أو من الوافدين عليه. فحتى لو صدقناه في أن علاقته هو الخاصة لم تصل إلى ما يصل إليه مثلها في ذلك المجتمع- لظروف خاصة مانعة في نفسه أو في نفسها- فليس ذلك حجة لإباحة تلك العلاقات، أو الدعوة إلى مثلها، وهو يرى بنفسه نتائجها الواقعية حين يبيحها المجتمع.
والمغالطة الثالثة: هي زعمه في كتابه الأول (( تحرير المرأة ) )أن هذا التحرير لن ينتج عنه إلا الخير، ولن تنشأ عنه العلاقات الدنسة التي رآها بعينه في المجتمع الفرنسي..إنما سينشأ عنه تقوية أواصر المجتمع وربطها برباط متين!.
وأيا كان الأمر فقد عاد قاسم أمين من فرنسا داعيا لتحرير المرأة. داعيا إلى السفور ونزع الحجاب!
* نفس الدعوة التي دعا بها رفاعة الطهطاوي من قبل عند عودته من فرنسا.مع فارق رئيسي،لا في الدعوة ذاتها ولكن في المدعوين! فإن أكثر من نصف قرن من الغزو الفكري المستمر كانت قد فعلت فعلها في نفوس الناس، فلم تقابل دعوة قاسم أمين بالاستنكار البات الذي قوبلت به دعوة رفاعة الطهطاوي، ولم توءد في مهدها، كما وئدت الدعوة الأخرى من قبل!
* ومع ذلك فلم يكن الأمر سهلا. فقد أثار كتاب (( تحرير المرأة ) )معارضة عنيفة جعلت قاسم أمين ينزوي في بيته خوفا أو يأسا، ويعزم على نفض يده من الموضوع كله. ولكن سعد زغلول شجعه، وقال له: امض في طريقك وسوف أحميك!
* عندئذ قرر أن يعود، وأن يسفر عن وجهه تماما! فلئن كان في الكتاب الأول قد تمحك في الإسلام، وقال إنه يريد للمرأة المسلمة ما أعطاها الإسلام من حقوق، وفي مقدمتها التعليم، فقد أسقط الإسلام في كتابه الثاني (( المرأة الجديدة ) )ولم يعد يذكره. إنما صار يعلن أن المرأة المصرية ينبغي أن تصنع كما صنعت أختها الفرنسية، لكي تتقدم وتتحرر، ويتقدم المجتمع كله ويتحرر! وهكذا سقط الحاجز المميز للمرأة المسلمة، وصارت هي والمشركة أختين بلا افتراق!
* بل وصل الأمر إلى الدعوة إلى السير في الطريق ذاته الذي سارت فيه الغربية من قبل، ولو أدى ذلك إلى المرور في جميع الأدوار التي قطعتها وتقطعها النساء الغربيات. وقد كان من بين تلك الأدوار ما يعلمه قاسم أمين- ولا شك- من التبذل وانحلال الأخلاق!
قال:
* (( .. ولا نرى مانعا من السير في تلك الطريق التي سبقتنا إليها الأمم الغربية، لأننا نشاهد أن الغربيين يظهر تقدمهم في المدنية يوما فيوما"."
* (( .. وبالجملة فإننا لا نهاب أن نقول بوجوب منح نسائيا حقوقهن في حرية الفكر والعمل بعد تقوية عقولهن بالتربية، حتى لو كان من المحقق أن يمررن في جميع الأدوار التي قطعتها وتقطعها النساء الغربيات ) ).
* وكان آخر ما قاله في ليلة وفاته مخاطبا- بالفرنسية- مجموعة من الطلبة والطالبات الذين جاءوا من رومانيا في زيارة لمصر: (( .. أحيي هذه البعثة العلمية وأشكرها على زيارة نادي المدارس العالية. أحيي منها بصفة خاصة هاته الفتيات اللواتي تجشمن مصاعب السفر متنقلات من الغرب إلى الشرق حبا في الاستزادة من العلوم والمعارف. أحييهن وقلبي ملؤه السرور حيث أرى نصيبهن من العناية بتربيتهن لا يقل عن نصيب رفقائهن. أحييهن ولي شوق عظيم أن أشاهد ذلك اليوم الذي أرى فيه حظ فتياتنا المسلمات المصريات كحظ هاته الفتيات السائحات من التربية والتعليم. ذلك اليوم الذي ترى فيه المسلمات جالسات جنبا إلى جنب مع الشبيبة المصرية في اجتماع أدبي كاجتماع اليوم. فيشاركننا في لذة الأدبيات والعلوم التي هن منها محرومات. فعسى أن تحقق الآمال حتى يرتقين فيرتقي بهن الشعب المصري ) ).
* والآن وقد صار للمرأة [قضية] فلابد للقضية من تحريك. وتبني القضية فريق من النسوة على رأسهن هدى شعراوي، وفريق من الرجال المدافعين، عن حقوق المرأة. وأصبح الحق الأول الذي تطالب به النسوة هو السفور! وصارت القضية التي يدور حولها الجدل هي السفور والحجاب!!
* من أين جاءت القضية؟! حين قامت الحركة النسوية في أوروبا كان للمرأة بالفعل قضية! قضية المساواة في الأجر مع الرجل الذي يعمل معها في المصنع نفسه وساعات العمل نفسها، بينما تتقاضى هي نصف ما يتقاضاه الرجل من الأجر . وحين اتسعت القضية هناك وتعددت مجالاتها- تلقائيا أو بتخطيط الشياطين- فقد كان محورها الأول هو قضية المساواة مع الرجل في الأجر، ترجع إليه كلما طالبت أو طولب لها بحق جديد. حتى أصبحت القضية هناك في النهاية هي قضية المساواة التامة مع الرجل في كل شيء، ومن بين كل شيء [حق الفساد] الذي كان الرجل قد وصل- أو وصل- إليه، فصار حق الفساد داخلا بدوره في قضية المرأة، تحت عنوان [حق المرأة في اختيار شريك حياتها] في مبدأ الأمر، ثم تحت عنوان [حق المرأة في أن تهب نفسها لمن تشاء] !!
* أما في مصر- أو العالم الإسلامي- فلم تكن للمرأة قضية خاصة! إنما كانت القضية الحقيقية هي انحراف هذا المجتمع عن حقيقة الإسلام، مما سميناه [التخلف العقدي] ، وما نتج عن هذا التخلف العقدي من تخلف في جميع مجالات الحياة. وما تحقير المرأة وإهانتها وعدم إعطائها وضعها الإنساني الكريم إلا مجال من المجالات التي وقع فيها التخلف عن الصورة الحقيقية للإسلام. وعلاجها- كعلاج غيرها من الحالات جميعا- هو العودة إلى تلك الصورة الحقيقية، والتخلي عن ذلك التخلف المعيب.
* تلك هي [القضية] .. وهي ليست [قضية المرأة] ولا [قضية الرجل] .. إنما قضية الأمة الإسلامية كلها، بجميع رجالها ونسائها وأطفالها وحكامها وعلمائها وكل فرد فيها. وتخصيصها بأنها [قضية المرأة] فضلا عن مجانبته للنظرة [العلمية] الفاحصة، فإنه لا يعالج القضية. لأنه يأخذ عرضا من أعراض المرض فيجعله مرضا قائما بذاته، ويحاول علاجه.. فلا يقدر لهذا العلاج أن ينجح، لأنه يتعامى عن الأسباب الحقيقية من ناحية، ويفتقر إلى الشمول من ناحية أخرى.
* ولكن.. هل كان في ذهن أحد أن يبحث القضية بحثا جادا مخلصا فاحصا دقيقا ليتعرف على الأسباب الحقيقية فيعالجها؟!
أم هل كان أحد ممن تناول القضية في تمام وعيه ليناقشها مناقشة علمية موضوعية مبصرة؟!
أم هل كان أحد ممن تناول القضية سيد نفسه لينظر إليها بنظرته الخاصة، ويرى أيها ما يرى بمنظاره الخاص؟!
أم كانوا كلهم من العبيد سواء عبيد شهواتهم أو عبيد الغرب. الذين يساقون سوقا لتنفيذ مخططات أعدائهم وهم سادرون في الغفلة، غارقون في الضلال البعيد!
بلى! لقد كانوا كلهم كذلك رجالا ونساء، دعاة وأتباعا، مخططين ومنفذين!
وإذا كان لابد للقضية من موضوع، فقد جعلت القضية- فجأة وبلا مقدمات حقيقية- قضية الحجاب والسفور!
لقد كانت القضية في أوروبا [منطقية] في ظاهرها على الأقل. أو في بدايتها على الأقل.
* فحين تضطر المرأة إلى العمل- لظروف ليس هنا مجال تفصيلها ثم تعطى نصف أجر الرجل الذي يقوم بالعمل نفسه، فطلب المساواة في الأجر قضية حقيقية من جهة، وجيهة كل الوجاهة من ناحية أخرى.