* أما قضية الحجاب والسفور فما مكانها من المنطق، وما مكانها من الحق؟! لم يكن [الرجل] هو الذي فرض الحجاب على المرأة، فترفع المرأة قضيتها ضده لتتخلص من [الظلم] الذي أوقعه عليها، كما كان وضع القضية في أوروبا بين المرأة والرجل. إنما الذي فرض الحجاب على المرأة هو ربها وخالقها، الذي لا تملك- إن كانت مؤمنة- أن تجادله سبحانه فيما أمر به، أو يكون لها الخيرة في الأمر: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} .
* ثم إن الحجاب في ذاته لا يشكل قضية.
فقد فرض الحجاب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفذ في عهده، واستمر بعد ذلك ثلاثة عشر قرنا متوالية.. وما من مسلم يؤمن بالله ورسوله يقول: إن المرأة كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مظلومة.
فإذا وقع عليها الظلم بعد ذلك، حين تخلف المسلمون عن عقيدتهم الصحيحة ومقتضياتها، فلم يكن الحجاب- بداهة- هو منبع الظلم ولا سببه ولا قرينه! لأنه كان قائما في خير القرون على الإطلاق، التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( خيركم قرني ) )، وكان قرين النظافة الخلقية والروحية، وقرين الرفعة الإنسانية التي لا مثيل لها في تاريخ البشرية كله.
ولكن المطلوب هو نزع الحجاب!
المطلوب هو السفور! المطلوب هو التبرج! المطلوب هو أن تخرج المرأة في النهاية عارية في الطريق! ذلك ما تطلبه مؤتمرات المبشرين، وما يطلبه الصليبيون الذين يخططون.. .
فلتكن القضية إذن هي قضية السفور والحجاب. وليوصف الحجاب بكل شر يمكن أن يرد على الذهن، وليوصف السفور بكل خير يخطر على البال.
ولتبدأ القضية من هنا.. ولتنته حيث يريد الشيطان!
* تلقفت [القضية] - كما قلنا- مجموعة من النسوة فطالبن بالسفور على أنه أحق، للمرأة سلبها إياه المجتمع، أو سلبها إياه الرجل الأناني المتحجر المتزمت الرجعي المتعفن الأفكار!.
وكانت زعيمة [ النهضة النسوية] هدى [هانم] شعراوي، التي اتخذت من بيتها [صالونا] تقابل فيه الرجال سافرة في غير وجود محرم.
* كانت هدى شعراوي بنت محمد باشا سلطان أحد باشوات ذلك العصر، ومن هنا فهي [هانم] بالوراثة!سافرت إلى فرنسا لتتعلم وسافرت محجبة. ولكنها حين عادت كانت سافرة. وكان أبوها يستقبلها في ميناء الإسكندرية ومعه مجموعة من أصدقائه، فلما نزلت من الباخرة احمر وجهه خجلا وغضبا، وأشاح بوجهه عنها وانصرف دون أن يحييها. ولكن ذلك لم يردعها عن صنيعها، ولم يردها عن غيها الذي عادت به من فرنسا.
* وتحلق حولها بعض النسوة. وبعض الرجال! الرجال الذين [يدافعون] عن قضية المرأة في الصحف والمجلات، بالنثر وبالشعر. لقاء جلسة [لطيفة] في صالون الهانم أو ابتسامة تخص بها أحدهم أو مبلغ من المال! تدسه في يد واحد من الصحفيين المرتزقة فيكتب مقالا في رقة الهانم ولطفها وابتسامتها العذبة وحسن استقبالها لضيوفها- الرجال- أو يكتب عن اجتماعاتها وتحركاتها. أو يكتب عن [القضية] .
* وكانت قمة المسرحية هي مظاهرة النسوة في ميدان قصر النيل (ميدان الإسماعيلية) أمام ثكنات الجيش الإنجليزي سنة 1919 م. فقد كانت الثورة المصرية قد قامت وملأت المظاهرات شوارع القاهرة وغيرها من المدن تهتف ضد الإنجليز، وتطالب بالجلاء التام أو الموت الزؤام. ويطلق الإنجليز الرصاص من مدافعهم الرشاشة على المتظاهرين فيسقط منهم كل يوم قتلى بلا حساب.
* وفي وسط هذه المظاهرات الجادة قامت مظاهرة النسوة، وعلى رأسها صفية هانم زغلول زوجة سعد زغلول، وتجمع النسوة أما ثكنات قصر النيل، وهتفن ضد الاحتلال. ثم. بتدبير سابق، ودون مقدمات ظاهرة، خلعن الحجاب، وألقين به في الأرض، وسكبن عليه البترول، وأشعلن فيه النار. وتحررت المرأة!!!. ويعجب الإنسان الآن للمسرحية وخلوها من المنطق.
* فما علاقة المظاهرة القائمة للاحتجاج على وجود الاحتلال الإنجليزي، والمطالبة بالجلاء عن مصر. ما علاقة هذا بخلع الحجاب ! وإشعال النار فيه؟!
* هل الإنجليز هم الذين فرضوا الحجاب على المرأة المصرية المسلمة من باب العسف والظلم، فجاء النسوة يعلن احتجاجهن على وجود الإنجليز في مصر، ويخلعن في الوقت ذاته ما فرضه عليهن الإنجليز من الحجاب؟!
* هل كان الإنجليز هم الذين سلبوا المرأة [حق] السفور منذ ذلك الزمن السحيق. فجئن اليوم [يتحررن] من ظلمهم، ويلقين الحجاب في وجههم تحديا ونكاية فيهم؟!
ما المنطق في المسرحية؟!
لا منطق في الحقيقة!
ولكن التجارب التالية علمتنا أن هذا المنطق الذي لا منطق. فيه، هو الطريقة المثلى لمحاربة الإسلام.
* إن الذي يقوم بعمل من أعمال التخريب والتحطيم ضد الإسلام ينبغي أن يكون [بطلا] لتتدارى في ظل [البطولة] أعمال التخريب والتحطيم!
كمال أتاتورك.. جمال عبد الناصر.. أحمد بن بيلا.. وعشرات غيرهم من [الأبطال] الذين حاربوا الإسلام بوسيلة من الوسائل.. كلهم ينبغي أن يكونوا [ أبطالا] وقت قيامهم بمحاربة الإسلام، وإلا انكشفت اللعبة من ورائهم، وانكشفت عمالتهم لأعداء الإسلام من الصليبيين واليهود.
* كمال أتاتورك الذي أطاح بالخلافة، وأراد أن يقطع ما بين الأتراك وبين إسلامهم، فمنع الأذان باللغة العربية، وكتب اللغة التركية بالحروف اللاتينية، وأمر بخلع الحجاب، وذبح عددا من علماء المسلمين.. كان [بطلا] صنعت له البطولات المسرحية الزائفة لتخفي يده التي تقطر بدماء المسلمين، وتخفي جريمته الكبرى في حرب الإسلام.
* جمال عبد الناصر الذي ذبح قادة الدعوة الإسلامية في مصر، وأنشأ للتنكيل بهم في سجون مصر ألوانا من التعذيب الوحشي لا مثيل لها في تاريخ البشرية كله، إلا في محاكم التفتيش التي أقامها الصليبيون في الأندلس للقضاء على الإسلام.. وألغى المحاكم الشرعية، وهم بإلغاء الأزهر.. وأضاف جرعات جديدة [لتحرير المرأة] .. كان [بطلا] .. أضيفت عليه البطولات المصطنعة لإخفاء الجريمة الهائلة التي ارتكبها ضد الإسلام.
* أحمد بن بيلا الذي جاء ليسرق الثورة الإسلامية، ويحولها إلى ثورة اشتراكية بعيدة عن الإسلام مناوئة له، والذي دعا المرأة الجزائرية إلى خلع الحجاب بحجة عجيبة حين قال: إن المرأة الجزائرية قد امتنعت عن خلع الحجاب في الماضي لأن فرنسا هي التي كانت تدعوها إلى ذلك ! أما اليوم فإني أطالب المرأة الجزائرية بخلع الحجاب من أجل الجزائر..! أحمد بن بيلا- يوم أن دعا تلك الدعوة- كان بطلا أضيفت عليه البطولة المصطنعة بخطفه من الطائرة وهو متوجه من فرنسا إلى الجزائر.. حتى إذا نضجت اللعبة.. لعبة [البطولة] .. أطلق ليقوم بعمله ضد الإسلام...
* وعلى هذا الضوء نفهم مظاهرة النسوة في ميدان الإسماعيلية بالقاهرة سنة 1919م.
لابد من بطولة تضفى على كل عمل من أعمال التخريب ضد الإسلام، لتخفي ما وراءه من تدبير...
وأي بطولة للنسوة يومئذ أكبر من أن يقفن أمام قوى الاحتلال، يهتفن ضدها، ويفتحن صدورهن للرصاص..؟!
* يقول حافظ إبراهيم في شأن هذه المظاهرة:
خرج الغواني يحتججن ورحت أرقب جمعهنه
فإذا بهن اتخذن من سود الثياب شعارهنه
فطلعن مثل كواكب يسطعن في وسط الدجنة
وأخذن يجتزن الطريق ودار سعد قصدهنه
يمشين في كنف الوقار وقد أبن شعورهنه
وإذا بجيش مقبل والخيل مطلقة الأعنة
وإذا الجنود سيوفها قد صوبت لنحورهنه
وإذا المدافع والبنادق والصوارم والأسنة
والخيل والفرسان قد ضربت نطاقا حولهنه
والورد والريحان في ذاك النهار سلاحهنه
فتطاحن الجيشان ساعات تشيب لها الأجنة