وتأسيس هذا القسم في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أعطى الجامعة الريادة في دراسة هذا المجال الذي لم تلتفت إليه أي جامعة على مستوى العالم الإسلامي كله. وإن الاهتمام بما تقوله الأبحاث الغربية عن الإسلام والمسلمين فيه اتباع لمنهج القرآن الكريم، فقد أحصيت ما ورد في القرآن من مادة القوم ومشتقاتها فوجدت أن القرآن أعطى هذا الأمر اهتمامًا كبيرًا فقد وردت هذه المادة ومشتقاتها أكثر من خمسمائة موضع، ومن ذلك قولهم على الله عز وجل - تعالى الله علوًا كبيرا- {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (73) سورة المائدة وقوله تعالى {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (64) سورة المائدة وغيرهما من الآيات الكريمة.
وتأتي أهمية دراسة الاستشراق من كونه جزءًا من الغرب؛ مما يتطلب أيضًا فهم الحضارة الغربية وجذورها، وفهم المجتمعات الغربية من النواحي العقدية والسياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية. وإن ريادة جامعة الإمام في إنشاء هذا القسم قد لفتت انتباه كثير من الغربيين ممن لقيت في المؤتمرات والندوات أو في المحافل الثقافية والفكرية داخل المملكة وخارجها، ومن هؤلاء على سبيل المثال القنصل الأمريكي السابق في جدة ستيفن بك Steven Buck الذي قال لي:"هل حقًا لديكم قسم لدراسة الاستشراق؟"، وطلب منّي لقاءً خاصًا لأحدثه عن القسم. وفي مؤتمر دولي عقد بألمانيا كان لمركز المدينة المنورة لدراسات وبحوث الاستشراق (موقع في الإنترنت) موقع في معرض الكتاب، فزاره أستاذ سويدي متخصص في مقارنة الأديان، هو جوناس أوتربك Jonas Otterbeck، فوقف مستغربًا لا يكاد يصدق أن توجد دراسات للاستشراق في أي دولة عربية.
وأوضح الدكتور قاسم السامرائي هذا الأمر في محاضرة ألقاها بجامعة ليدن عام 1412هـ قائلًا:"إن هدف الجامعة أن تعطي اهتمامًا خاصًا للأعمال التي نشرها المستشرقون عن الإسلام ولغاته وثقافته. وإنه جزء من اهتمام الجامعة أن تقوم بإجراء دراسات لما كتبه المستشرقون في مجالات اللغة والثقافة والشعوب الإسلامية، ولتحقيق هذا الهدف أنشأت الجامعة وَحْدة الاستشراق والتنصير في الرياض، ثم بعد ذلك أنشأت قسمًا مستقلًا لهذا الغرض" (51) .
وقد تناول السامرائي في هذه المحاضرة كتابات العديد من الباحثين السعوديين في مجال نقد الاستشراق، وكذلك بعض الباحثين العرب والمسلمين الذين عملوا في الجامعات السعودية وقد قام بتجديد معلوماتها وتقديمها مرة أخرى عام 1420هـ. ومن الباحثين السعوديين الذين اهتم السامرائي بكتاباته الدكتور عاصم حمدان، والدكتور عباس طاشكندي، ومازن مطبقاني. وكان مما قاله في هذه المحاضرة عن بحث أعده كاتب هذه السطور حول اهتمام المستشرقين المعاصرين بالأدب العربي الحديث:"قدم مازن مبطقاني عرضًا ممتازًا لـ (الأدب العربي الحديث في الكتابات الاستشراقية المعاصرة"حيث استوعب كل الكتابات الأدبية العربية -سواء كانت لأدباء ذكور أو إناث- والتي نالت اهتمامًا كبيرًا من المستشرقين لسبب أو لآخر، ثم اهتم بصفة خاصة بالأديب المصري الفائز بجائزة نوبل نجيب محفوظ وروايته(أولاد حارتنا) وبدلًا من تقديم حكمه اقتبس نصوصًا لكتاب آخرين، وبالخصوص أحمد أبو زيد الذي أوضح"أن الاهتمام الاستشراقي بهذه الرواية لم يكن إلاّ لأنها تهدم كل مقدس في الدين والرسالة"، ويضيف السامرائي أن مطبقاني لم يتوقف عند هذا الحكم، بل رأى أن الاهتمام الاستشراقي بكتابات نجيب محفوظ ترجع إلى أن نجيب في كل كتاباته يدعو إلى الانحراف والرذيلة وتشويه صورة المجتمع المصري بخاصة والمجتمع العربي بعامة (52) .
وتناول السامرائي في محاضرته نفسها بحثًا آخر لمازن مطبقاني بعنوان (المغرب العربي بين الاستعمار والاستشراق) ؛ حيث أشار إلى أن هذا الموضوع لم يدرس بعد في المملكة العربية السعودية من قبل علماء المملكة. كما تناول فيما بعد رسالة الدكتوراه التي قدمها مازن مطبقاني حول برنارد لويس الذي أكد صهيونيته ودفاعه عن إسرائيل ومحاولته تشويه كل ما هو إسلامي، بل تحذير الغرب وأمريكا بخاصة من الخطر الإسلامي والحضارة الإسلامية (53) .
ومع كل هذه الأهمية التي أعطتها الجامعة لدراسة الاستشراق فإن الباحث البريطاني فريد هاليداي Fred Haliday كتب عن الاهتمام بالاستشراق في المملكة العربية السعودية أنه (موضة) ، حيث قال:"وهناك موضة من الإقبال على كتب"الاستشراق"الذي يفهم على أنه دراسة العالم العربي في إطار مؤامرة إمبريالية. وفي المكتبات العامرة يجاور قسم الاستشراق قسم الجاسوسية والمؤامرات الغربية أو الصهيونية" (54) . وقد ناقشت هذه المقولة في مقالتين نشرتا في جريدة البلاد (55) ، حيث أوضحت له أن الاهتمام بالاستشراق في المملكة ليس موضة، وأن الاستشراق وإن كان في غالبه يصنف ضمن الغزو الفكري والتيارات الهدامة فإن القيادات الفكرية في هذه البلاد قد تنبهت إلى أهمية دراسة الاستشراق دراسة علمية، وها هو قسم الاستشراق يبدأ في دراسته دراسة علمية أكاديمية رصينة، وكما جاء في وصف طبيعة هذه الدراسات:"تأخذ الدراسة الطابع العلمي المنصف والدعوي الحكيم، وتقوم بإبراز الجوانب الإيجابية والسلبية في إنتاج المستشرقين على ضوء قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (135) سورة النساء وقوله تعالى {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (152) سورة الأنعام"
أما أهداف القسم فقد حددتها المطبوعات الخاصة فيما يأتي:
"أ- إطلاع الدارسين على ما يحيط بالإسلام والمسلمين من اهتمامات ودراسات."
ب- عرض مزايا الإسلام ومحاسنه، ومناقشة الشبهات المثارة حولها.
ج- دراسة المؤسسات الاستشراقية دراسة تحليلية، وتعريف الدارسين بها وبأساليبها للاستفادة من إيجابياتها وتجنب سلبياتها.
د- تحصين الدارسين من تقبل الأفكار الخاطئة والشبهات المثارة حول الإسلام والمسلمين.
هـ- تخريج علماء متخصصين بهذه الدراسات، ويكونون على صلة بتلك المؤسسات يتبادلون معها الدراسات والأبحاث.