فهرس الكتاب

الصفحة 620 من 3028

وكتب عبد الكريم الخطيب في بحثه المقدم للمؤتمر السالف الذكر يذكر أن الاستشراق"حركة ولدت في هذا العصر الحديث، وهي - في ظاهرها- حركة علمية يراد بها دراسة التراث الشرقي في معتقداته وآدابه، ولكنها تبغي من وراء هذا التعرف على منابع هذا التراث، محاولة صرف أهله عنه ليولّوا وجوههم شطر الغرب ويتعلقوا بركاب حضارته" (15) . ويشير فيما بعد إلى أن معظم المستشرقين"قد غلبتهم العصبية على أن يقولوا كلمة الحق وأن ينطقوا بما في أيديهم من شواهد، فقد كابروا، ولجّوا في الضلال، ورموا الإسلام بكل ما تحمل صدورهم من غل، وما تنفث أقلامهم من سم، حتى فضح ذلك عند من لا يعرفون الإسلام من قومهم حين رأوا سبابًا وشتائم لا تتفق مع منهج العلم، الذي من شأنه أن يعرض الحقائق، ويترك للناس الحكم عليها، دون أن يمزجها بمرارة الحقد، ونفثات عداوته" (16) .

وكتب أحمد بشير حول"الغزو الفكري الاستشراقي"إذ ذكر أن أهداف الاستشراق تتلخص فيما يأتي:

" 1- تفتيت وحدة المسلمين وإضعافها.

2 -التمهيد لاستعمار العالم الإسلامي.

3-استغلال الثروات والانتقام من المسلمين الذين قاموا في القرون الوسطى في وجه المسيحية". ويضيف قائلًا:"وإننا لنجد في دراسات المستشرقين الأدبية والإسلامية تركيزًا حول أهدافهم لإيجاد التخاذل الروحي والشعور بالنقص في نفوس المسلمين وحمهلم على الخضوع للتوجيهات الغربية" (17) ."

ونجد باحثًا آخر يرجع نشأة الاستشراق إلى الحروب الصليبية، فيذكر أن من أخطر نتائجها"الحرب العلمية والفكرية التي شنّها المستشرقون على المسلمين، وظهور عدد من تلامذتهم والمعجبين بأفكارهم من المسلمين ممن أخذوا يرددون آراءهم ويروجون لمفترياتهم" (18) .

وتظهر الحماسة في كتابة الشيخ محمد الغزالي، وكيف لا وهو في معرض الدفاع عن الشريعة ضد مطاعن المستشرقين وهذا عنوان كتابه، يكتب قائلًا:"إن الاستشراق كهانة جديدة تلبس مسوح العلم والرهبانية في البحث، وهي أبعد ما تكون عن بيئة العلم والتجرد، وجمهرة المستشرقين مستأجرون لإهانة الإسلام وتشويه محاسنه والافتراء عليه" (19) . ويزيد الأمر توضيحًا عند حديثه عن المستشرقين الأمريكيين بقوله:"والأمريكيون منذ دخلوا ميدان التبشير والاستشراق زادوا القوى المناوئة للإسلام شراسة وإصرارًا، وأمدوها بسيل موصول من المال والرجال، فهي لا تني تواصل هجومها العلمي والعملي ودعايتها الماهرة، ونحن نعرف أن من حق غيرنا التمسك بدينه والدعوة إليه واستقبال الداخلين فيه، إلاّ أننا نقيّد هذا الحق بشرط واحد أن يكون بوسائل شرعية وصريحة. أما اختلاس عقائد الآخرين بالرغبة، أو الرهبة، واستباحة الغش والكذب والمكر والرشوة فذلك ما نقف له بالمرصاد." (20)

ويعد باحث مسلم يعيش في بريطانيا الاستشراق ضمن القوى التي حاولت تدمير حضارات الأمم الشرقية بقوله:"ويجب أن نتذكر أن الاستشراق لم يكن هو الاتجاه الوحيد الذي حاول أن يدمر حضارات الأمم الشرقية فهناك مجال آخر تعاون تعاونًا شديدًا مع الاستشراق لخدمة الأهداف الاستعمارية ألا وهو علم الإنسان الذي غدا ابنًا آخر للإمبريالية" (21) .

وكما ذكرنا فإن الاستشراق عند كثير من الباحثين المسلمين إنما هو أسلوب من أساليب الغزو الفكري، فقد كتب محمد عبد الفتاح عليان حول ذلك قائلًا:"ومن بين أساليب الغزو الفكري كان الاستشراق مغلفًا خطورته بشكل علمي واضعًا سمّه في عسل المنهج، والجديد فيه، غير أن خلق المسلم يقتضينا أن نقرر أن استغلال الاستعمار للاستشراق ليس معناه أن الاستشراق كله جملة وتفصيلًا دار في هذا الفلك، إذ لم نعدم من أدى به إنصافه إلى بيان الحقيقة، ولئن كان هؤلاء قد نقلوا من حقيقة الحضارة الإسلامية أصالتها وأفادوا بها الغرب في نهضته فإن هذا قد اعترف به منصفون منهم وإن قلّوا." (22)

ويتناول عدنان الوزان الاستشراق على أنه اتجاه فكري يُعنى بدراسة الحياة الحضارية للأمم الشرقية بصفة عامة، ودراسة حضارة الإسلام بصفة خاصة.كما يتناوله من ناحية أهداف الاستشراق إذ يرى أن الاستشراق انطلق من فكرة واحدة هي فكرة الغزو الاستعماري والعقائدي"بقصد التمكين للحضارة الغربية المسيحية المادية من السيطرة على الحضارة الإسلامية وإلغاء دورها في الحياة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والاقتصادية وتشكيك المسلمين بدينهم ومحاولة إبعادهم وغيرهم عنه" (23) . ويؤكد الوزان هذا الأمر في مواقع أخرى من كتابه حيث يقول في موضع آخر:"إن من أهداف المستشرقين الوقوف في وجه الشعوب التي لا تدين بالإسلام، ليمنعوهم من الدخول في دين الحق الدين الإسلامي بما يعملون جاهدين في تشويه الإسلام وتغيير الصورة الحقيقية لهذا الدين الحنيف، وإن إظهار الإسلام بصورة محّرفة مستكرهة أمام الشعوب غير المسلمة بقصد صدهم عن سبيل الله وما نزل من الحق" (24) .

ويؤكد عدنان الوزان على مواجهة الاستشراق بقوله:"وأيقنت أن ما كتب ضد هؤلاء المستشرقين إنما هو حق، ولا أحد يلومنا إذا عزمنا على مقاومة هؤلاء المستشرقين وأخرجناهم من مكانتهم وأزحنا الأغشية التي يلفونها على وجوههم ومنازلتهم منازلة الند للند في ميدان الجدل العلمي والمناظرة الموضوعية." (25)

ولئن رأى الكثيرون أن الاستشراق جزء من الغزو الفكري وقدموا الأدلة على موقفهم فإن حقيقة الأمر أن الاستشراق أكبر من أن يكون مجرد غزو فكري، فالغزو الفكري إنما هو جزء من مهمته الأساسية، حيث يدرس عدد من أبناء المسلمين في المعاهد والمراكز التي يطلق عليها أقسام دراسات الشرق الأوسط أو أقسام اللغة العربية والدراسات الإسلامية. فالاستشراق في نظرنا جزء من المنظومة الفكرية الغربية التي تسعى إلى المعرفة والتخصص والتدقيق. فكما أن الاهتمام بالشرق الأوسط له أهميته في الجامعات الغربية في أوروبا وأمريكا فهناك في الوقت نفسه اهتمام بدراسة جميع الشعوب من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب. فإذن يمكن أن يطلق على الاستشراق أنه من الغزو الفكري لكنه في الوقت نفسه فرع معرفي له أصوله ومناهجه وأهدافه القريبة والبعيدة (26) .

ولعل من أقوى الناقدين للاستشراق الشيخ محمود شاكر رحمه الله الذي أطلق على المستشرقين (حملة هموم الشمال المسيحي) ، ونسب إليهم كثيرًا من الكوارث الفكرية ابتدءًا من المستشارين الأجانب لمحمد علي (الكبير) وبخاصة جونار الذي كان يشرف على الطلاب المصريين المبتعثين للدراسة في فرنسا. (27)

وكذلك إفسادهم للذائقة الأدبية حيث يقول أولًا عن أهداف الحملة الفرنسية التي كان وراءها الاستشراق:"وئدت اليقظة، التي كان الخمسة الكبار أبطالها وصناديدها (يقصد محمد بن عبد الوهاب، وعبد القادر البغدادي، والجبرتي الكبير، والشوكاني، والمرتضى الزبيدي) ، وكان ذلك نصرًا مؤزرًا للاستشراق بدهائه ومكره وثاقب نظره" (28) . أما عن الاستشراق الإنجليزي فيقول:"وجاء الاستشراق الإنجليزي ليحدث في ثقافة الأمة المصرية صدعًا متفاقمًا أخبث وأعتى من الصدع الذي أحدثه الاستشراق الفرنسي ...أي تفريغ الطلبة من ماضيها المتدفق في دمائها مرتبطًا بالعربية والإسلامية ومهد لملئه بماض آخر بائد في القدم والغموض ... (ويقصد بالانتماء البائد الفرعونية) (29) ."

الفصل الثاني

جهود جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في دراسة الاستشراق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت