فهرس الكتاب

الصفحة 605 من 3028

-حجج النبوة - ، حيث قال:-( بعث الله محمدا- صلى الله عليه وسلم - أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيبا ، وأحكم ما كانت لغة ، وأشد ما كانت عدة ، فدعا اقصاها وأدناها إلى توحيد الله ، وتصديق رسالته ، فدعاهم بالحجة ، فلما قطع العذر وأزال الشبهة ، وصار الذي يمنعهم من الاقرار الهوى والحمية ، دون الجهل والحيرة ، حملهم على حظهم بالسيف ، فنصب لهم الحرب ونصبوا ، وقتل من أعلامهم ، وعليائهم ، وأعمامهم ، وبني أعمامهم ، وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن ، ويدعوهم صباحا ومساء إلى أن يعارضوه إن كان كاذبا بسورة واحدة ، أو بآيات يسيرة ، فكلما ازداد تحديا لهم بها ، وتقريعا لعجزهم عنها ، تكشف من نقصهم ما كان مستورا ، وظهر منه ما كان خافيا ..

إلى أن يقول: إن القرآن إذ تحداهم بالحجة ، ولم يقدروا على الإتيان بمثله عجزا منهم ووهنا ، لا تهاونا وتغافلا ، لأن الاتيان بمثل أصغر سورة منه كان كفيلا بأن يكفيهم قتل الأنفس والأولاد ، وأن التقريع بالعجز أشد على نفوس العرب ، والبدو خاصة ، لما فيهم من الأنفة والعزة ، فكيف والقرآن يتحداهم في أخص خصائصهم وهو البيان ، وهم قد عرفوا فيه بالبراعة والبلاغة ..؟ )88 .

ومع عناد مشركي مكة ، ومحاربتهم لدعوة محمد - صلى الله عليه وسلم-فإن فصحاءهم لم يكتموا إعجابهم ببلاغة القرآن ، وحسن تعبيره ، وقوة تأثيره ، وجمال نظمه ، وروعة إيقاعه.

وقد صدرت عن فصحائهم وبلغائهم أقوال صريحة تشير الى علو كعبه في هذا المضمار ، وذلك إبان تفكيرهم في القرآن ، وحيرتهم في جمال نظمه وجلال معناه ، ولعل الوليد ابن المغيرة - وهو من بلغاء عصر الوحي - أول من تنبه إلى عظمة القرآن ، فكانت كلمته المأثورة أول تقريظ ناله القرآن من بلغاء عصره ومصره والتي يقول فيها:-

(والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ، ولا من كلام الجن ، والله إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لعذق - يشبهه بالنخلة التي ثبت أصلها وقوي وطال فرعها- ، وإن غرسه لجنا - أي كثير الجنى وهو الثمر - وإن عليه لطلاوة ، وإنه ليعلو وما يعلى عليه ، وإنه ليحطم ما تحته ) 89 ، وما كان له أن يقولها لوعلم إمكان معارضته .

وروى الامام محمد بن اسحق في كتاب السيرة ( أن -عتبة بن ربيعة- كان سيدا في قومه ، قال يوما وهو جالس في نادي قريش ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه ، وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ..ويكف عنا..؟فقالوا: بلى يا أبا الوليد ، قم إليه فكلمه ، فقام إليه عتبة حتى جلس إليه ، فقال: يا ابن أخي ، إنك منا حيث علمت من السطة(أي: الشرف ) في العشيرة ، والكمال في النسب ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ، فرقت به جماعتهم ، وسفهت به أحلامهم ، وعبت به آلهتهم ، وكفرت من مضى من آبائهم ، فاسمع مني أعرض عليك

أ مورا ، فتنظر فيها لعلك تقبل مني بعضها .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قل يا أبا الوليد أسمع ، قال: يا ابن أخي ، إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا: جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت إنما تريد شرفا: سودناك علينا ، حتى لا نقطع أمرا دونك ، وإن كنت تريد به ملكا: ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا لا تستطيع رده عن نفسك ، طلبنا لك الطب ، وبذلنا فيه أموالناحتى نبرئك منه ، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه ، حتى إذا فرغ عتبة ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستمع إليه قال: أفرغت يا أبا الوليد ..؟

قال: نعم ، قال: فاسمع مني ، قال: أفعل ، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: [ بسم الله الرحمن الرحيم . حم. تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون ] 90 ثم مضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يقرأ هذه السورة وعتبة ينصت إليه ، وهو ملق يديه خلف ظهره ، معتمدا عليهما ، حتى انتهى الرسول إلى السجدة ، ثم قال: ( قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت ، فأنت وذاك ) ، فقام عتبة إلى أصحابه ، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به ، فلما جلس اليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد ..؟

قال: ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ، ولا بالسحر ، ولا بالكهانة ، يا معشر قريش: أطيعوني واجعلوها بي ، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه ، فاعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم ، وعزه عزكم ، وكنتم أسعد الناس به ، قالوا: قد سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه ، قال: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم .) 91 .

وأمر - الطفيل بن عمرو الدوسي - كأمر هؤلاء الذين أثر فيهم القرآن ، كان شريفا في قومه ، شاعرا نبيلا ، قدم مكة ، فمشى إليه رجال من قريش يحذرونه من اتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - قائلين:إنا نخشى عليك وعلى قومك ، فإذا ما دخل عليك فلا تكلمه ولا تسمع منه ، يقول الطفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت - أي قصدت وعزمت -على أن لا أ سمع منه شيئا ولا أكلمه ، حتى حشوت في أذني حين غدوت المسجد فحشوت أذني كرسفا ( أي قطنا ) فرقا ( أي خوفا ) من أن يبلغني شيئا من قوله ، فإذا رسول الله

-صلى الله عليه وسلم - قائم يصلي عند الكعبة ، فقمت قريبا منه ، فأبى الله إلا أن أسمع بعض قوله ، فسمعت كلاما حسنا ، فقلت في نفسي: أنا ما يخفى علي الحسن من القبيح ، فما يمنعني من أسمع من هذا الرجل ما يقول ، فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلت ،وإن كان قبيحا تركت ، فمكثت حتى انصرف إلى بيته ، فقلت: يا محمد ، إن قومك قالوا لي كذا وكذا ، حتى سددت أذني بكرسف كي لا أسمع قولك ، فاعرض علي أمرك ،فعرض عليه الاسلام ، وتلا عليه القرآن ، قال الطفيل: والله ما سمعت قط قولا أحسن من هذا ، ولا أمرا أعدل منه ، فأسلمت .) 92

وأكتفي بما ذكرته من أخبار منسوبة لمشركي قريش ، تدل على اعترافهم الصريح بإعجاز القرآن الكريم ، وبلوغه درجة في البيان لم يبلغها شاعر ، ولا خطيب منهم ، وتبين تأثيره في القلوب التي كانت تهفو لمعرفة الحق ، وتتوق للوصول إلى الطمأنينة والأمان ، وفي القلوب الصلدة رغم المكابرة والعداوة ، فلامس القرآن شغاف قلوب بعضهم ، وملك أفئدتهم وعقولهم فعرفوا مزيته وإعجازه ، فقادهم إلى صراط الحق القويم .

الخاتمة

بعد هذا العرض لمفهوم الصرفة ، تبينت لي حقيقتان هامتان ، أشير إليهما بإجمال:

الحقيقة الأولى:- أن قريشا مع شدة ملاحاتها للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومع أن القرآن قد ذكر آباءهم بغير ما يحبون ، وذكر أوثانهم بغير ما يؤمنون ، لم يتحركوا لأن يقولوا مثله ، إذعانا لبلاغته وفصاحته ، مع أن القرآن تحداهم أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه ، فما فعلوا لئلا يسفوا في تفكيرهم ، فدل هذا على عجزهم المطلق ، ( إذ نابذوه وناصبوه الحرب ، فهلكت النفوس ، وأريقت المهج ، وقطعت الأرحام ، وذهبت الأموال ، ولو كان ذلك في وسعهم ، وتحت مقدورهم لم يتكلفوا هذه الأمور الخطيرة ، ولم يركبوا تلك الفواقر المبيرة ، ولم يكونوا تركوا السهل الدمث من القول ، إلى الحزن الوعر من الفعل ، وهذا ما لا يفعله عاقل ، ولا يختاره ذو لب راجح ..) 93

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت