ثانيا: لأنه لو كان إعجاز القرآن بالصرفة ، لوجد في كلام العرب السابقين مثله ، قبل أن يتحدى النبي البشر ، ويطالبهم بالإتيان بمثل القرآن ، ولو وجد ذلك لنقل وتواتر ، لكثرة الدواعي إلى نقله ، وإذ لم يوجد ولم ينقل ، كشف ذلك عن كون القرآن بنفسه إعجازا إلهيا ، خارجا عن طاقة البشر . ) 86
13-قال الزرقاني ( محمد عبد العظيم ) : تحت عنوان شبهة القول الصرفة:-( ومن الباحثين من طوعت له نفسه أن يذهب إلى القول بأن وجه إعجاز القرآن هو الصرفة ، أي: صرف الله العرب عن معارضته ، على حين أنه لم يتجاوز في بلاغته مستوى طاقتهم البشرية ، وضربوا لذلك مثلا ، فقالوا: إن الإنسان كثيرا ما يترك عملا هو من جنس أفعاله الإختيارية ، ومما يقع مثله في دائرة كسبه وقدرته ، إما لأن البواعث على هذا العمل لم تتوافر ، وإما لأن الكسل أو الصدود أصابه فأقعده همته ، وثبط عزيمته ، وإما لأن حادثا مفاجئا لا قبل له به قد اعترضه ، فعطل آلاته ووسائله ، وعاق قدرته قهرا عنه ، على رغم انبعاث همته نحوه ، وتوجه إرادته إليه ، فكذلك انصراف العرب عن معارضتهم للقرآن ، لم ينشأ من أن القرآن بلغ في بلاغته حد الإعجاز الذي لا تسمو إليه قدرة البشر عادة ، بل لواحد من ثلاثة:
أولها: أن بواعث هذه المعارضة ودواعيها لم تتوافر لديهم .
ثانيها: أن صارفا إلهيا زهدهم في المعارضة ، فلم تتعلق بها إرادتهم ، ولم تنبعث إليها عزائمهم ، فكسلوا وقعدوا على رغم توافر البواعث والدواعي .
ثالثها: أن عارضا مفاجئا عطل مواهبهم البيانية ، وعاق قدرتهم البلاغية ، وسلبهم أسبابهم العادية إلى المعارضة على رغم تعلق إرادتهم بها وتوجه همتهم إليها .
بهذا التوجيه أو نحوه ، يعزى القول بالصرفة إلى: أبي اسحق الاسفراييني من أهل السنة ، والنظام من المعتزلة ، والمرتضى من الشيعة . وأنت إذا تأملت هذه الفروض الثلاثة التي التمسوها ، أو التمست لهم ، علمت أن عدم معارضة العرب للقرآن لم تجئ من ناحية إعجازه البلاغي في زعمهم ، بل جاءت على الفرضين الأولين ، من ناحية عدم اكتراث العرب بهذه المعارضة ، ولو أنهم حاولوها لنالوها ، وجاءت على الفرض الأخير ، من ناحية عجزهم عنها بسبب خارجي عن القرآن ، وهووجود مانع منعهم منها قهرا ، ذلك المانع هو: حماية الله لهذا الكتاب ، وحفظه إياه من معارضة المعارضين ، وإبطال المبطلين . ولو أن هذا المانع زال لجاء الناس بمثله ،لأنه لا يعلو على مستواهم في بلاغته ونظمه .
وبعد أن ذكر الزرقاني شبه القائلين بالصرفة ، أخذ في تفنيد شبههم فقال: وهذا القول بفروضه التي افترضوها ، أو بشبهاته التي تخيلوها ، لا يثبت أمام البحث ، ولا يتفق والواقع .
أما الفرض الأول: فينقضه ما سجل التاريخ وأثبت التواتر ، من أن دواعي المعارضة كانت قائمة موفورة ، ودوافعها كانت ماثلة متآخذة ، وذلك لأدلة كثيرة:
منها: أن القرآن تحداهم غير مرة أن يأتوا ولو بمثل أقصر سورة منه ، ثم سجل العجز عليهم ، وقال بلغة واثقة: إنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا ، ولن يفعلوا ، ولو ظاهرهم الإنس والجن ، فكيف لا تثور حميتهم إلى المعارضة بعد هذا ، ولو كانوا أجبن خلق الله .؟
ومنها: أن صناعتهم البيان ، وديدنهم التنافس في ميادين الكلام ، فكيف لا يطيرون بعد هذه الصيحة إلى حلبة المساجلة .؟
ومنها: أن القرآن أقام حربا شعواء على أعز شيء لديهم ، وهي عقائدهم المتغلغلة فيهم ، وعوائدهم المتمكنة منهم ، فأي شيء يلهب المشاعر ويحرك الهمم إلى المساجلة أكثر من هذا ..؟ ما دامت المساجلة هي السبيل المتعين لإسكات خصمهم لو استطاعوا .
وأما الفرض الثاني: فينقضه الواقع التاريخي أيضا ، ودليلنا على هذا ما تواترت به الأنباء ، من أن بواعث العرب إلى المعارضة قد وجدت سبيلها إلى نفوسهم ، ونالت منالها من عزائمهم ، فهبوا هبة رجل واحد ، يحاولون القضاء على دعوة القرآن ، بمختلف الوسائل ، فلم يتركوا طريقا إلا سلكوه ، ولم يدعوا بابا إلا دخلوه . لقد آذوه ، وآذوا أصحابه ، فسبوا من سبوا ، وعذبوا من عذبوا ، وقتلوا من قتلوا . ولقد قاطعوه وقاطعوا أسرته الكريمة ، لا يبيعون لهم ولا يبتاعون ، ولا يتزوجون منهم ، ولا يزوجون ، واشتد الأمر حتى أكلت الأسرة الكريمة ورق الشجر . ولقد فاوضوه أثناء هذه المقاطعة التي تلين الحديد مفاوضات عدة ، وعرضوا عليه عروضا سخية مغرية ، منها: أن يعطوه حتى يكون أكثرهم مالا ، وأن يعقدوا له لواء الزعامة فلا يقطعوا أمرا دونه ، وأن يتوجوه ملكا عليهم إن كان يريد ملكا ، وأن يلتمسوا له الطب إن كان به مس من الجن . كل ذلك في نظير أن يترك هذا الذي جاء به . ولما أبى عليهم ذلك عرضوا عليه أن يهادنهم ويداهنهم ، فيعبد آلهتهم سنة ، ويعبدون إلهه سنة ، فأبى أيضا .
ولقد اتهموه - صلى الله عليه وسلم - بالسحر ، وأخرى بالشعر ، وثالثة بالجنون ، ورابعة بالكهانة ، وكانوا يتعقبونه وهو يعرض نفسه على قبائل العرب أيام الموسم ، فيبهتونه ، ويكذبونه أمام من لا يعرفونه ، ولقد شدوا وطأتهم على أتباعه حتى اضطروهم أن يهاجروا من وطنهم ، ويتركوا أهلهم وأولادهم وأموالهم فرارا إلى الله بدينهم . ولقد تآمروا على الرسول أن يثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه ، لولا أن حفظه الله وحماه من مكرهم ، وأمره بالهجرة من بينهم . ولقد أرسلوا إليه الأذى بعد ذلك في مهاجره ، فشبت الحرب بينه وبينهم في خمس وسبعين موقعة ، منها سبع وعشرون غزوة ، وثمان وأربعون سرية . فهل يرضى عاقل لنفسه أن يقول بعد ذلك كله: إن العرب كانوا مصروفين عن معارضة القرآن ، ونبي القرآن ، وإنهم كانوا مخلدين إلى العجز والكسل ، زاهدين في النزول إلى هذا الميدان .؟
وأما الفرض الثالث: فينقضه ما هو معروف من أن العرب حين خوطبوا بالقرآن قعدوا عن معارضته ، اقتناعا بإعجازه ، وعجزهم الفطري عن مساجلته ، ولو أن عجزهم هذا كان لطارئ مباغت عطل قواهم البيانية ، لأثر عنهم أنهم حاولوا المعارضة بمقتضى تلك الدوافع القوية التي شرحناها ، ففوجئوا بما ليس في حسبانهم ، ولكان هذا مثار عجب لهم ، ولأعلنوا ذلك في الناس ، ليلتمسوا لأنفسهم العذر ، وليقللوا من شأن القرآن في ذاته ، ولعمدوا إلى كلامهم القديم ، فعقدوا مقارنة بينه وبين القرآن ، يغضون بها من مقام القرآن وإعجازه ، ولكانوا بعد نزول القرآن أقل فصاحة وبلاغة منهم قبل نزوله ، ولأمكننا نحن الآن ، وأمكن المشتغلين بالأدب العربي في كل عصر ، أن يتبينوا الكذب في دعوى إعجاز القرآن ، وكل هذه اللوازم باطلة ، فبطل ما استلزمها وهو القول بالصرفة ..)87
14-وأخيرا لا آخرا تأثير القرآن في أنفس العرب: - فقد أجمع أساطين الأدب والبيان- قديما وحديثا - ، على أن للعرب في عصر الرسالة قدما راسخة في البيان ، وبلاغة المنطق ، وتذوق الكلام ، والتمييز بين جيده ورديئه ، وليس أدل على ذلك مما قاله الجاحظ في كتابه