فهرس الكتاب

الصفحة 530 من 3028

اختلافنا كإسلام ومسلمين مع الآخرين دولا وشعوبا وأفرادا ليس هو اختلاف حول حقائق الهندسة والطب والزراعة والإدارة والتجارة والاستثمار الخ وليس هو في أساسه اختلاف حول مصالح سياسية واقتصادية، وليس هو اختلاف في مواضيع التاريخ والثقافة والفنون والعادات بل هو اختلاف عقائدي بين الإسلام وكل ما يخالفه من علمانية ومسيحية ويهودية وبوذية واشتراكية وشيوعية الخ وهو اختلاف جذري وعميق، لا مجال فيه للتكامل والتنازلات المتبادلة لأنه صراع بين الحق والباطل، ولكم دينكم ولنا ديننا، ومن الخطأ أن نتعامل معه كمسلمين تحت تأثير الهجوم الغربي الحالي علينا لنقول لا يوجد بيننا وبينكم صراع واختلاف، ونحن لسنا ضد عقائدكم الضالة، وسنغير مناهجنا التعليمية التي تتهمكم بالكفر والضلال ، فإن فعلنا ذلك فنحن نكذب عليهم وعلى أنفسنا، ولن يصدقوننا، ولن نصدق نحن ذلك . وآيات القرآن الكريم واضحة جدا في بيان طبيعة الاختلاف، ولن نستطيع كبشر تغيير حقائق القرآن، ومن يريد منا أن ينسلخ عن دينه أو أن يرفض بعض عقائده فليفعل، وما نقوله لا يتعارض مع أن نوضح موقفنا المعارض للإرهاب والتطرف باسم الإسلام، ولا يمنع من أن نسلط الأضواء على ما يدعونا له الإسلام من بناء العلاقات الطيبة بين البشر، ورفض الظلم والعدوان. إن الحوار بين الحضارات يجب أن يركز على الأسس العقائدية للإسلام والرأسمالية والشيوعية والبوذية ....الخ وما هي أدلتها على صواب مبادئها، وما هو نصيب هذه الأدلة من العلم والعقل، وأقول: الأسس العقائدية لأن المناقشة في الفروع والتفاصيل محدودة الفائدة، ولا تؤدي إلى حسم الاختلاف، وهي تصب في بند الثقافة لا في بند العلم، ولا شك أننا إذا استطعنا أن نعد أنفسنا والبشرية لحوار راق وعلمي ومنظم وصريح تعطى فيه مختلف الأطراف حقها من الحوار باحترام، فإننا نخدم البشرية أكبر خدمة، لأننا نساهم في إخراجها من الظلمات إلى النور، فالإنسان الغربي مثلا إنسان ضائع عقائديا وقلق نفسيا، وتعيس اجتماعيا، ولا شك أن معرفة العلاقة الصحيحة مع الله سبحانه وتعالى، هي أهم ما يحتاجه البشر وهذا ما يجب أن يكون الحوار بينهم حوله، وهذا هو ما فعله الأنبياء، وهو أفضل الأعمال عند الله سبحانه وتعالى لأنه من خلاله سنصل إلى الحقائق الفكرية التي تحقق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، وستحدد الحقائق الفكرية المفاهيم الصحيحة للعدل والمساواة والإرهاب والجهاد وحقوق المرأة والحقوق والواجبات الزوجية والمفاهيم الصحيحة لتربية الأطفال، وستحدد الموقف الصحيح من الربا والزنا والخمر والتعصب العرقي الخ وهذا هو التقدم الإنساني الحقيقي، وهو أهم من التقدم التكنولوجي وأفضل البشر من عرفوا الحقائق الفكرية، وآمنوا بها وطبقوها، وسيبقى الاختلاف العقائدي موجودا، فهناك من لا يريد أن يقتنع مهما رأى من أدلة، وواجبنا هو إنارة الطريق للعقول والقلوب التي تريد الحق، وتبحث عنه، وأتيح للبشرية اليوم وسائل اتصالات كثيرة ومتنوعة، ومن تواصل جماعي وفردي ما يجعلها مهيأة لحوارات علمية جادة ،وبالتالي على كل طرف أن يحضر الأدلة التي تثبت صواب عقائده ،والأدلة التي تثبت خطأ ما يخالفها. إذا كان هذا هو ما يجب أن يكون موضوع الحوار بين الحضارات، فإن الواقع يقول أن ما يحدث مختلف، لأننا نشاهد ونسمع من يدعو أولا لحوار بين المسلمين أنفسهم، ونقول له افعل ذلك ،ولكن هذه حوارات متوازية وليست متوالية، أو متناقضة، وهناك من يدعو لأن نبدأ أولا بإصلاح واقعنا الإسلامي المرير لأن الآخرين سيرفضون الاقتناع بما نقول من حقائق إذا كان الواقع لا يعطي صورة جيدة عن مبادئنا، ونقول نحن نتكلم عن فكر وحقائق وأدلة علمية وليس ممارسات و واقع ،وهناك من يدعو لأن نهتم أولا بطرح حلول لواقعنا وكيف ننقله من استبداد لحرية، ومن تخلف وضعف تكنولوجي وإداري وسياسي إلى تقدم، ونقول هذه قضايا مهمة جدا ولكن ليس مجالها حوار الحضارات ، وهناك من يرى أنه لا مجال لحوار بين الحضارات لأن الحضارة الغربية مسيطرة سياسيا واقتصاديا، ولأن حضارتنا الحالية ضعيفة ومستسلمة، ونقول نحن لا نبحث عن القوة المادية بل عن القوة الفكرية، والذي سينتصر هو من يملك الأدلة العقلية العلمية على صواب مبادئه، وهذا أمر لا علاقة له بالقوة والضعف، وبالكثرة والقلة وسيرة الأنبياء تثبت أنهم بدؤوا ضعافا، وحاوروا شعوبا وملوكا، وأيضا ليس مجال حوار الحضارات القضايا السياسية كقضية فلسطين أو أمريكا والإرهاب أو المؤامرات الأمريكية على العالم العربي، ومن الخطأ أيضا أن يهتم حوار الحضارات بتحديد معاني مصطلحات كثيرة مثل الحضارة والمدنية والتقدم والثقافة وماذا قال هذا المفكر أو ذاك الفيلسوف، فهذه أمور غرق فيها الفلاسفة، وكثير من المفكرين، ولا فائدة منها لأن الحوار هو حول ما هي الأدلة على صواب أو خطأ الإسلام والعلمانية والبوذية ....الخ لأن الحوار بين"الحضارات"هو الحوار بين العقائد المتناقضة وأيضا ليس هدف الحوار محاكمة الماضي وما فيه من انحرافات وأخطاء وإعلان اعتذارات متبادلة بين المسلمين والمسيحيين، أو غيرهم، لأننا نريد أن نبني الحاضر والمستقبل . ولا يصلح لحوار الحضارات المتعصبون ممن ينتسبون إلى الإسلام والمسلمين ولا يصلح له العلمانيون والمتأثرون بالعلمانية من بني جلدتنا لأنهم ليسوا ممثلين للإسلام والمسلمين ولعل من الأمور الغريبة أننا نادرا ما نجد من علماء الإسلام ومفكريه من يتقن فن الحوار مع الآخرين كعلم وكأسلوب مع غزارة ما عندنا من علم وأدلة علمية وعقلية وحكمة وأخلاق وتراث، وعلى سبيل المثال كثير من المسلمين يركزون جهودهم في الدفاع عن دينهم كعقائد وأحكام، ولا يعرفون كيف ينتقدون عقائد الآخرين ومبادئهم بطريقة صحيحة تركز على أدلتهم الواهية، وهذا نجده واضحا في حوارهم مع العلمانيين، ومثل هذا الأسلوب يجعل الحوار محدود الفائدة ولا يؤدي إلى حسم القضايا المختلف حولها، وقد استخدمت في كتابي"عجز العقل العلماني"أسلوب النقد الهجومي للعلمانية وهو أسلوب يختصر الوصول إلى الحقائق بدرجة كبيرة جدا . وأطالب بأن نأخذ المبادرة في قضايا كثيرة، ولا تكون أعمالنا ردود فعل لأفكار وأحداث ومواقف فرضها الآخرون، فمثلا: لماذا لا نقترح على البشرية قوانين تحرم استغلال أجساد النساء في الدعاية والأفلام؟ ولماذا لا نطالب الأمم المتحدة بتشريعات تمنع القمار والعري؟ الخ وإذا فعلنا ذلك سيعرف العالم من يدافع عن عبادة الله وحده، ومن يدافع عن الفساد العقائدي والأخلاقي.

باختصار نحن بحاجة إلى حوار يسلط الأضواء على الخلافات الحقيقية، ويتكلم بصراحة وباحترام وبأدلة عقلية وعلمية وحتى الآن مازلنا بعيدين عن ذلك لأننا نجتهد كأفراد لا كمؤسسات تؤمن بالتخطيط والتنظيم والتدريب والتطوير والاستمرار، ونتمنى في النهاية أن نفتح الحوار مع العالم كله شرقه وغربه وشماله وجنوبه وألا نركز كل حوارنا أو أغلبه مع الغرب.

حالة علمانية صعبة جدا

من المستحيل أن تتحاور العقول لتصل إلى الحقائق إذا فقدت بعض هذه العقول مبدأ الاحتكام إلى الأدلة العلمية، وأخذت تستبدلها بشبهات واعتراضات لا يوجد لها أي دليل علمي، وتعالوا في مناقشة ما يطرحه بعض العلمانيين في نقاشاتهم من شبهات:-

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت