3-إذا كانت نسبة الباطل والخطأ كبيرة في العلوم الفكرية عند المتخصصين فيها في الغرب والشرق فإن الكارثة تكون أكبر عندما يتكلم المتخصصون في مجال فكري ليسوا متخصصين فيه كما نشاهد في عصرنا هذا من دكاترة في الهندسة (علم مادي) يتكلمون في العقائد، أو عندما يتكلم دكاترة في القانون في مجال السياسة، وكثيرا ما وجدنا من العلمانيين والمتأثرين بالعلمانية من يتكلمون في مجالات كثيرة كالسياسة والتاريخ وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم والمشاكل والاجتماعية، والغريب أنهم يتكلمون بثقة كبيرة وجدل حاد مع أنهم يعترفون أنهم ليسوا متخصصين،وما عندهم مجرد آراء، وليس حقائق، بل كل رأي عندهم يعتبر حقيقة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وصدق من قال من المسلمين عندما رأى التجرؤ على العلم الشرعي من بعض الناس حيث قال:"إن هؤلاء يفتون في قضايا لو حدثت في عهد عمر رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر"أي يجمع لها أهل العلم والأمانة. وقيل قديمًا:"لو سكت من لا يدري لاستراح الناس".
من يعارض الحل العلمي؟
يروى أن في الحرب العالمية الثانية عندما كانت ألمانيا تحتل فرنسا، ركب رجل فرنسي وضابط ألماني وامرأة عجوز وفتاة جميلة في عربة أحد القطارات ، ولما دخل القطار نفقا مظلما سمع الجميع صوت قبلة ثم صوت صفعة شديدة ، وبعد خروج القطار من النفق كانت أثار الصفعة واضحة على وجه الضابط الألماني .... والآن ماذا حدث ؟ لقد ظن الضابط الألماني أن الرجل الفرنسي قبل الفتاة فظنت الفتاة أن الضابط هو الذي قبلها فصفعته، وظنت العجوز أن الفتاة صفعت الضابط بعد أن قبلها وظنت الفتاة أن الضابط قبل العجوز فصفعته وطبعا كان كل واحد يعتقد أنه عرف الحقيقة ، والحقيقة أن الرجل الفرنسي قبل يده ثم صفع الضابط الألماني، وواصل القطار رحلته والكل يعتقد أنه عرف الحقيقة . وأخشى أن يستمر القطار العربي في السير والكثيرون منا يجهلون الحقيقة . حكاية الرجل الفرنسي تدعونا للابتعاد عن السطحية والاستعجال في الوصول إلى الاقتناعات والعقائد، ويدرك أهل العلم في القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية الخ أن من الخطأ في أحيان كثيرة إطلاق الاتهامات الشمولية، كأن تقول عن دولة أنها فاشلة وكذلك عن التراث أو الانفتاح أو تقليد الغرب أو الحرية أو العدل أو حقوق الإنسان أو حوار الحضارات الخ فلا بد من تحديد أو تفصيل الموضوع، فليس كل ما تفعله هذه الدولة شرا وخطأ، وليس كل ما في تراثنا جميلا، والانفتاح له ضوابط، وهكذا وإذا فعلنا ذلك من خلال دراسات علمية عميقة وشاملة فإن كثيرا من القضايا الخلافية سيتم حسمها لأن الأمور ستكون واضحة، وسيتكلم العلم لا الآراء والظنون، فكلما تعمقنا أكثر ظهر الحق وظهر الباطل، واختفت المعلومات الخاطئة والآراء الباطلة والعقائد المنحرفة، والغريب فعلا أن الغالبية الساحقة من المثقفين لا يتعمقون في المواضيع المطروحة، شاهدت هذا في مؤتمرات وندوات واجتماعات ومقالات وكتب وانتخابات الخ ولو طبقنا دعوة التفصيل والبحث العلمي على العلمانية، وفتحنا ملفها ورقة ورقة لعرفنا أن العلمانية ليست هي العلمية أو العالمية أو الحداثة أو الاسلوب العلمي أو الديمقراطية أو العلم التكنولوجي، ولعرفنا أهمية قراءة الواقع والاجتهاد ومكانة العقل في الإسلام، ولعرفنا أن هناك فرق بين الثقافة والعلم، ولاكتشفنا أن هناك فهم خاطئ للعلمانية عند كثير من الإسلاميين والعلمانيين ومن الخطأ أن نناقش موضوعا كبيرا ومتشعبا من خلال حوار سريع، أو مقال، أو لقاء تلفزيوني، أو غير ذلك ،فالأمور لا تؤخذ بعجالة إلا إذا كنا نريد أن نبقى في دائرة الجهل، ونستمر ولسنوات طويلة في تكرار نفس المواضيع والمشاكل والاتهامات. ولا أبالغ إذا قلت بأن ثمانيين في المائة (80%) من الكتب التي تناقش قضايانا تفتقد العمق والتفاصيل والشمولية والموضوعية والمعلومات الصحيحة، فما أكثر الكلام، وما أقل الحق والصواب، فيه وأغلب الأطراف المختلفة تتعصب لمصالح وأهواء وانتقام وعقائد وأعراق وعصبيات سياسية وفكرية الخ وهدفها هو تحقيق النصر على الأعداء والخصوم لا البحث عن الحق والانتصار له . الطريق إلى حل المشاكل والاختلافات والصراعات سواء كانت عقائدية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو شخصية هو طريق واضح ومعروف . وهناك ضمائر فاسدة يجب أن نبعدها عن طريقنا، وكذلك علينا أن نبعد الحمقى والمغرورين والمتطرفين من المخلصين، وإذا فعلنا ذلك فمن السهل جدا الوصول للحل العلمي من خلال الخطوات التالية:-
1-يوجد العلم في عقول العلماء سواء كانوا علماء الإسلام أو الاقتصاد أو الإدارة أو غير ذلك قال تعالى:"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" (43) سورة النحل فلا بد إذا من إيجاد معاهد ومراكز علمية يجتمع فيها هؤلاء العلماء بصورة دائمة أو جزئية، والغريب أننا نفتقد وبشدة غالبية هذه المراكز، وعلماؤنا مشتتون في جامعات أو وزارات أو شركات وهم مشغولون في التدريس، أو الأمور الإدارية، أو التجارة ،أو غير ذلك. وتحقيق قفزة هائلة في طريق الحل العلمي يتطلب تجميعهم في معاهد هدفها حل مشاكل المجتمع وتطويره، وهذا ينقذنا من مصيبة تحدث سياسيين وكتاب وأساتذة جامعات في مجالات ليست في مجال علمهم واختصاصهم، وهذا أحد أسباب ضياع العقل العربي.
2-لا يكفي أن يكون الإنسان عالما في مجال حتى يتكلم فيه، وخاصة عندما نتكلم عن موضوع متشعب وذي علاقة بواقع الناس، وبتخصصات علمية أخرى، وحتى نلغي أو نضعف هذا النوع من الجهل فلا بد من تشكيل فرق عمل علمية من العلماء والمتخصصين ممن يشهد لهم بالموضوعية والإخلاص في المعاهد العلمية للعمل كفريق كبير ومتعاون ومنظم لدراسة القضية المطلوبة، ويعطى لهذا الفريق الموارد البشرية والمالية الكافية، والتي قد يصل بعضها إلى مليون دينار إذا كانت القضية كبيرة ومتشعبة وبهذه الطريقة سنقوم بتجميع المعلومات الصحيحة ومناقشتها بموضوعية وهدوء وشمولية وعمق وتفرغ وصبر وهذا سيقربنا كثيرا من الحل العلمي، وقد تأخذ بعض القضايا سنة أو سنتين أو حتى أكثر وهذا هو الوضع الطبيعي الذي غاب عن واقعنا وجعل كثيرا منا يتبنون عقائدهم بناء على كتاب قرؤوه، أو قول سمعوه أو موقف عايشوه أو طرف استمعوا له.
3-خلال مدة دراسة القضية المطلوبة وكجزء لا يتجزأ من الحل العلمي علينا مشاورة أهل الحل والعقد في الموضوع خلال دراسته سواء كانوا سياسيين أو اقتصاديين أو شيوخ قبائل أو رؤساء أحزاب وجماعات أو غيرهم، فالحل العلمي يتعامل مع الواقع والأطراف التي ستنفذ الحل، فالحل العلمي هو حل واقعي وليس مثاليا وليس معنى ذلك أنه يرضى"بلا ضوابط"أهل الحل والعقد على حساب العلم والحقائق، بل الهدف أن يتعامل مع الممكن والمقبول أكثر مما يتعامل مع الآمال والمرغوب، وكلما زاد الوعي والضمير في أهل الحل والعقد كلما كان الحل العلمي أكثر قربا من الحق والصواب . أما إذا افتقد الحل العلمي أهدافه ومبادئه فلا يصبح حلا علميا بل دجلا سياسيا يحرق أصحابه قبل أعدائه !!.