اختلاف المخلصين استغله أهل الفساد ممن فسدت ضمائرهم وقلوبهم، ولا ينتمون إلى أي مبادئ، وهمهم هو مصالحهم وشهواتهم، سواء كانت مناصب أو مال أو ملذات وحرص هؤلاء على إشعال الفتن بين المخلصين حتى لا يتحدوا على الحد الأدنى من المبادئ المشتركة بل تحالفوا أيضا مع بعض المخلصين، وصحيح أن الاختلاف بين المخلصين سيبقى موجودا للأبد، ولكن هذا لا يمنع أن يتحد أكبر عدد من المخلصين ضمن عقيدة صحيحة تحقق العدل والحرية، وتحارب الباطل والخطأ بكل أنواعه العقائدية والسياسية الموجودة في بيئة المخلصين ويمكن تحقيق هذا من خلال الدراسات المتعمقة للمبادئ والحوارات الراقية والشاملة والمنظمة، ولاشك أن المخلصين أصحاب الضمائر النظيفة هم أهل الصدق والعلانية والصراحة، وسيتراجع جزء منهم عن مبادئه إذا اقتنع أنها كانت خاطئة، وما نقوله حدث مع أفراد وجماعات وشعوب على مدى التاريخ، وهو يحدث كل يوم، وأهم مشكلة أن كثيرا من الحوارات بين المخلصين إما أن تكون بين أفراد ليس لديهم علم كاف في مبادئهم وإما أن يكون حوارا ناقصا أو جزئيا أو غير منظم أو سريعا أو هدفه إحراج الخصم أو هزيمته أو تؤثر به أحداث سياسية، وإرهاب فكري، أو سياسي والغريب أننا نادرا ما نجد حوارا منظما واعيا وعميقا يتعمق في أسباب الخلاف بين المخلصين، ويحاول أن يحدد أين الخطأ الفكري؟ وهذا ليس فقط على مستوى العالم بل أيضا على مستوى الأمة العربية، وعلى مستوى الشعب الواحد. ولاشك أن من يبني مبادئه على أدلة عقلية وتفكير ونقاش لا يخشى من الحوار العلمي الهادف، ولهذا نكرر الدعوة بضرورة عمل حوارات مكثفة ومستمرة ومنظمة بين مختلف القوى الشعبية، فنحن نعيش في كارثة من الجهل سببها الفهم الخاطئ، والمعلومات المزورة، والاتهامات المتبادلة، والظن السيئ، والشك ودسائس الأعداء، فلنفتح أبواب الحوار بيننا، ولنضاعف الاتصالات، ولنركز أولا على الأسس الفكرية التي ننطلق منها، وأنا متأكد أن كثيرا من العلمانيين والمتأثرين بالعلمانية ممن نجدهم الآن ليسوا مستعدين للحوار العلمي والواثقين جدا من إقتناعاتهم سيكتشفون أنهم ليسوا بعيدين عن الضياع الشيوعي العلماني الذي ثبت فشله الذريع ويمكن عمل حوارات مكثفة حول قضايا إدارية واقتصادية واجتماعية لا اختلاف بين العقلاء على ضرورة العمل المشترك لتحقيق الأهداف الوطنية والقومية، وهناك مساحة كبيرة من القضايا الغير فكرية يمكن الاتفاق حولها بين المخلصين . وندعو أيضا للحوار بين الإسلاميين أنفسهم فهم وإن لم تكن لهم مشاكل فكرية جذرية إلا أنهم بحاجة إلى تقوية الاتصالات بينهم والابتعاد عن الانعزالية والثقة الزائدة بالاجتهادات والتعصب لجماعة أو علماء أو مذهب، وهم أيضا بحاجة ماسة للحوار مع الشعوب والحكومات والأحزاب ومن الضروري جدا أن نعرف أن كثيرا ما يكون الحق مخلوطا بالباطل، أي أن لا يتم أخذ الأمور إما أبيض وإما أسود وأنه من خلال ضوابط ومواثيق واتفاقات وخطوط وحوار وتنازلات يمكن الوصول إلى حلول لكثير من مشاكلنا وقضايانا، والمطلوب تغييرات هائلة في تنظيم وإدارة علاقاتنا مع بعضنا البعض حتى نخرج من الاختلافات التي أعاقتنا والتي كثير منها لن يحسم بالقوة، أو بالانتخاب كما جربنا بل لابد من الحوار، ومما يشجع على الحوار أننا لسنا مختلفين حول الالتزام بالإسلام،ولسنا مختلفين على أنواع كثيرة من الحرية، ولسنا مختلفين على أننا نواجه مشاكل كبيرة من الفقر والتخلف التعليمي والتكنولوجي والاجتماعي والإداري وما أدعو إليه من بديهيات الأمور، وهناك من طبقه وحقق نجاحا كبيرا.
غورباتشوف والعلمانية
من المعروف عن الكاتب المصري أحمد رجب أنه كثير الانتقاد لدكاترة الاقتصاد في مصر، ويجعلهم أحد أسباب تخلف الاقتصاد المصري لأن آراءهم ومقترحاتهم غير صحيحة وقد اتفق معه غوربا تشوف الرئيس السوفيتي الذي جرب مقترحات خبراء الاقتصاد السوفيتي، فأصابت الاقتصاد السوفيتي الكوارث، مما جعل الأستاذ أحمد رجب يذكر هذه الطرفة عن غوربا تشوف في مقاله المشهور 1/2 كلمة:"نقلت وكالات الأنباء نكتة لجوربا تشوف يقول فيها:"إن الرئيس الفرنسي له مائة صديقة بينهن واحدة مصابة بالإيدز لا يعرفها ميتران، والرئيس الأمريكي له مائة حارس بينهم إرهابي لا يعرفه بوش أما هو (جورباتشوف) فعنده مائة خبير اقتصادي بينهم واحد ذكي لا يعرفه"وواضح أن الشكوى أصبحت عالمية من دكاترة الاقتصاد"وإذا عزلنا الجانب الساخر في كلمة غوربا تشوف فإن هناك كثير من الفوائد يمكن استفادتها من التجربة البشرية الواقعية مع دكاترة الاقتصاد، والتجربة خير برهان، ومن هذه الفوائد ما يلي:-
1-أن هناك نسبة عالية جدًا من الأخطاء في آراء واجتهادات خبراء الاقتصاد والعقائد وعلماء الاجتماع العلمانيين وخاصة في أسس علمهم ومبادئهم والتي تنعكس في فشل كبير نتيجة تطبيق نظرياتهم ومقترحاتهم وآرائهم أي بكلمات أخرى إن نسبة الجهل كبيرة عند هؤلاء في مجال تخصصهم. فهؤلاء ليسوا علماء حقا حتى ولو حصلوا على شهادات الدكتوراة، وهذا يرجعنا إلى القضية الأولى في العلوم الفكرية الاجتماعية: ما هو العلم الفكري؟ وكيف نصل إليه؟ وما هو الجهل؟ ومن هم أهله؟ ولنتذكر كلام الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:"أعرف الحق تعرف أهله". والحق هو العلم، والباطل هو الجهل والعلمانية جعلت بعض الناس علماء وهم ليسوا كذلك، وما ينطبق على الخبراء السوفيت في الاتحاد السوفيتي ينطبق على فلاسفة ومفكري الغرب في مجال العقائد والحياة الاجتماعية، فالفشل في حياة الإنسان الغربي واضح جدًا في هذه المجالات، فقد تحول الإنسان الغربي إلى إنسان ذي عقائد مشوهة ومتناقضة أنتجت القلق والمادية والأنانية والانغماس في الشهوات.
2-تقدم أمريكا في مجال الاقتصاد لا يرجع"للعبقرية"العلمانية في مجال العلم الفكري، فالمبادئ الرأسمالية كانت معروفه قبل ظهور العلمانية، حيث كان هناك النظام الاقتصادي الإسلامي الذي يؤمن بحرية التملك والتجارة والمنافسة... الخ بل إن الإقطاع الذي كان في أوروبا في العصور الوسطى هو نوع متطرف من الرأسمالية، وبالتالي فالرأسمالية ليست اختراعا علمانيا بل هي المبادئ السائدة في العالم، والفكر الشيوعي هو الفكر الاستثنائي. وما فعلته أمريكا وأوربا هو تنظيم وتطوير حركة رأس المال، ونجحوا في ذلك لدرجة كبيرة، وهذه أمور في أغلبها فنية وإدارية، ولا علاقة لها بالعلمانية، وهذه أمور لا يعارضها الدين، بل يدعو إليها.