بين فترة وأخرى يعلن بعض الليبراليين رفضهم لنتائج التصويت في مجلس الأمة في موضوع الاختلاط، أو انتخاب المرأة، أو غير ذلك، محتجين على ذلك بأن هذا يتعارض مع الحريات الشخصية، وأن ما يتعارض معها مرفوض حتى ولو حصل على 99% من الأصوات في مجلس الأمة، أو في استفتاء شعبي. ونعتقد أن هذا الموقف صحيح إذا كانوا يقصدون أن الحق والصواب (المبادئ الصحيحة) هي فوق التصويت، ولا يجوز أن يتم التصويت على شئ يعارضها، ونقول أنتم تطالبون بالديمقراطية وبالاحتكام إلى الشعب، فإن فعلنا ذلك وجاءت نتيجة التصويت بخلاف ما تريدون رفضتم حكم الشعب وطالبتمونا بالاحتكام إلى المبادئ الصحيحة، وهذا هو منهجنا، وكل ما تثبت عقولنا أنه حق لا يجوز أن نحتكم فيه للتصويت في مجالس نيابية، فالحقيقة تبقى حقيقة ولو رفضها كل الناس، وهذا ينطبق على الحقائق الفكرية كما ينطبق على الحقائق المادية، فغليان الماء حقيقة مادية تبقى حقيقة حتى لو عارضها كل البشر، وكذلك إذا وصلنا بعقولنا وبأدلة عقلية صحيحة إلى أن الحرية الشخصية ليس من مكوناتها حرية التبرج يصبح هذا التعريف للحرية الشخصية هو التعريف الصحيح، فيجب أن ندافع عنه، ولا نطرحه للتصويت، وما ينطبق على الحريات ينطبق على المفهوم الحقيقي ( الصحيح ) للعدل وللأسس العقائدية السياسية والاجتماعية والاقتصادية الصحيحة فهي فوق التصويت، وبهذا الأسلوب وحده نبني حياتنا على العلم الفكري الصحيح، وهذا العلم فيه مجال كبير للتصويت وحكم الشعب (القضايا الاجتهادية) ولكن لا يكون بالانفلات والفوضى التي يدعو لها البعض حاليا. باختصار الاحتكام المطلق للتصويت خطأ نتفق معكم به. وتصور وضع دولة من الدول النامية أو حتى المتقدمة تكنولوجيا ممن تكثر فيها حالات عدم الاستقرار العقائدي والسياسي إذا قلنا لهم إن كل الأوراق هي بيد الانتخابات والتصويت وأنتم أحرار لدرجة الفوضى فلا يوجد فكر أو مبادئ تلتزمون بها، هذا الوضع يجعل الانتخابات معركة شرسة بين فكر وفكر، وبين عرق وآخر، وبين مصالح ومصالح ،فأجزاء هامة من هوية المجتمع ومبادئه ستكون مرتبطة بنتائج الانتخابات وهذا يدفع الأغلبية إن لم نقل الجميع إلى استخدام كل أسلحتهم المشروعة وغير المشروعة في المعارك الانتخابية، وهذا يؤدي إلى هزات فكرية وسياسية خطرة جدا على الدول، وتؤدي إلى كوارث ومصائب وفتن، وما نقوله هو واقع حدث في بعض الدول إلى درجة أن الحل هو إلغاء مبدأ الانتخابات، أو تجميده بحجة المحافظة على النظام بل الدولة، ولا يدرك كثير من العلمانيين أن التصويت والانتخابات والديمقراطية اكتسبت مساحة كبيرة جدا في الفكر العلماني الغربي لأنهم عجزوا بعقولهم ومن خلال الأدلة العقلية عن معرفة المعاني الصحيحة للحرية والعدل والمساواة والتربية ومفاهيم الإصلاح والحقوق والواجبات الزوجية والوطنية والقوانين العادلة في البيع والشراء وتوزيع الميراث الخ ولهذا احتكموا إلى التصويت في تحديد كل ذلك وجمدوا دور العقل فلا يوجد عندهم شئ اسمه"مبادئ ثابتة لا تتغير"أي علم فكري أي حق وحلال، ولا يوجد شئ عندهم اسمه جهل فكري أي باطل وحرام، ولهذا نجد العلاقة الجنسية بين ذكر وذكر حلال، وحرية، وكذلك الإجهاض والزنا والربا والخمر والأبناء الغير شرعيين. وأي عاقل حتى لو لم يكن مسلما يعلم أن العقل يرفض هذه الأمور، ويعتبرها انحرافا وفسادا واضحا، ولهذا نطالب العلمانية والمتأثرين بالعلمانية بأن يكونوا عادلين فإما أن يكون العقل أولا والتصويت ثانيا وإما أن يكون الاحتكام للتصويت فقط كما يحدث مع الغرب . ونذكركم بأن أكبر أكذوبة صنعتها العلمانية الغربية أنها تحتكم إلى العقل وفى الحقيقة كما ذكرت هي تحتكم حاليا إلى التصويت لأن عقلها لم يصل إلى علم (حقائق) .
علمانية التعصب العرقي
لو احتكم البشر للعلم الفكري (القرآن والسنة) لقضوا على التعصب العرقي سواء كان على مستوى لون أو جنس أو قومية أو قبيلة او عائلة لأننا سنعلم أن الأفضلية تقاس على أساس التقوى، قال تعالى:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير"سورة الحجرات آية:13 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية، إنما هو مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم، وآدم خلق من تراب"رواه الترمذي وقال عن العصبية العرقية"دعوها فإنها منتنة"ولكن الذي حدث هو أن كثيرا من البشر رفضوا العلم الفكري والنور، واتبعوا عقولهم وعقول الفلاسفة، فأوصلتهم العقول العلمانية اللادينية إلى عقائد عنصرية مختلفة، وظهر التعصب القبلي والشعبي والقومي، وأخذت العقول العلمانية تعطي مبررات لهذا التعصب أو ذاك، فأحيانًا ترجع للتاريخ وتحاول أن تثبت أن عرقها متميز عن غيره في إنجازاته، وطبعًا في كل تاريخ صفحات سوداء، ولكنها تتجاهلها، أو حتى تمزقها، وفي نفس الوقت تقلل كثيرًا من الإنجازات التاريخية للأعراق الأخرى، وتزيد من تركيز الأضواء على صفحاتها السوداء، واستندت عقول علمانية أخرى في تعصبها العرقي للانتماء إلى أرض أو لغة أو لهجة أو نسب وأخذت تبالغ في إثبات"صواب"تعصبها بأدلة هزيلة لا تصمد أمام النقاش الموضوعي.
والتعصب العرقي ليس انحرافا بسيطا بل هو ينعكس بصورة واضحة في مواقف سياسية واجتماعية واقتصادية وله تأثيرات سيئة جدًا على مستوى وحدة الوطن والأمة والبشرية، فأحد معوقات تقدم العرب مثلًا وجود تعصب عرقي يمنع الاستثمار في أغلب دولنا لغير المواطنين، وأنتج التعصب العرقي التفرق والكراهية والغضب والانتقام والثارات، وأنتج حروبا بين قبائل وشعوب وأمم وألوان، فالحرب العالمية الثانية كان المحرك الرئيس لها التعصب النازي الألماني الذي أستند إلى عقول علمانية لفلاسفة كتبوا الكتب والمقالات عن تميز العرق الألماني، وهذا التخلف العقلي حدث في القرن العشرين، ولو كان الاحتكام للقرآن والسنة لما تجرأ مؤلف على محاولة إقناع الناس أن البشر يتفاوتون في الأفضلية بناء على أعراقهم لأنه سيتهم بأنه جاهل وأحمق، ولم يقتصر الانحراف العرقي على من يؤمنون به عقليًا ، بل هو استغل أيضًا من أصحاب مصالح سياسية أو مالية لتحقيق مصالحهم. وعقائد التعصب العرقي ليست هي الوحيدة المستندة للعقل العلماني بل غيرها كثير جدًا، فالفكر الشيوعي مستند للعلمانية، وكذلك الرأسمالي، وفكر التمتع بالشهوات والفساد الأخلاقي يستند إلى اقتناعات مثل تمتع بالجنس والخمر، فنحن نحيا مرة واحدة، ووجدنا من يبذر في المال أو يحسد الأغنياء، أو يتكبر على الفقراء، أو يتكاسل في أداء عمله، أو ينافق لأصحاب المناصب، أو يكون لا مباليًا فيما يحدث لوطنه أو أمته وغير ذلك كثير، وكل هؤلاء أقنعتهم عقولهم أن فيها مصلحتهم، ولو كان الاحتكام للإسلام لما حدثت كل هذه الانحرافات ولما وجدنا من يضع فلسفات لها، ولعلمنا أن المصالح الحقيقية للفرد والأسرة والقبيلة والشعب والأمة البشرية تتحقق باتباع الإسلام الذي يدعو للخير أي للمساواة العرقية والعفاف والتواضع والقناعة والاجتهاد في العمل والتفاعل مع قضايا المجتمع وغير ذلك.
حياة يساري علماني