فهرس الكتاب

الصفحة 519 من 3028

لا تستغرب عندما تقرأ ليساري يروي سيرته الذاتية كيف تحول من الحزب الديمقراطي الشعبي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، ثم كيف أثر فيه كتاب"الثورة على الإمبريالية"وأحدث تغيرا جذريا في مواقفه من الإصلاح، ثم بعد ذلك قرأ كتاب ألفه شيوعي من الصين اسمه"ماوتسي تونغ"فأحدث تغيرا جذريا أخر في أسلوب النضال وتأثر هذا اليساري بعد ذلك بإخلاص وآراء المناضل سالم بن جورج. ما قلته هو سير ذاتية من تأليفي ولكنها تعكس نموذجا سائدا في سيرة حياة كثير من اليساريين واليمينيين أي العلمانيين بشكل عام حيث يبنون عقائدهم على كتاب قرءوه لفيلسوف أو ثائر أو قائد تاريخي، وأقول الحمد لله الذي هدانا للنور والحكمة والعلم فجعلنا مقتنعين بحقائق القرآن والسنة فلا نتعرض لتغيرات جذرية في حياتنا، ولا ننتقل من خندق إلى آخر، ولا نجعل أفرادا مهما كانوا مخلصين قدوتنا، ولا نجعل كتابا أو كاتبا يؤثر فينا لأن ما عندهم آراء شخصية وليس حقائق علمية. كما أننا لا تخدعنا"الدعاية"العلنية أو السرية لمفكر أو قائد حزب أو لعقيدة أو لكتاب فعقولنا راقية، وتعرف العقائد والأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية الصحيحة، وتعرف منهج الإصلاح وصفات المنافقين والمؤمنين الخ فما الذي سيأتي به كتاب لمفكر أو فيلسوف، وإن كان معه حق في بعض ما يقول فإننا نعرفه ونعرف أكثر مما لديه بمئات المرات، فقد أكمل الله سبحانه وتعالى لنا ديننا، ونعرف أن آراء الشر يختلط فيها الحق بالباطل، والصواب بالخطأ ، كما أن أغلبها تدور في السياسة والاقتصاد أو بالأحرى بعض جوانبهما، ولا شك أن الحياة تتطلب فكرا أشمل وأغنى وأكثر تفصيلا، ويحق لنا أن نتعجب كيف يتخذ بعض البشر من إنسان مهما كان مفكرا وذكيا وقارئا مبادئهم وفيه ما في البشر من علم قليل، فالخبرة الشخصية مهما كانت كبيرة فهي صغيرة جدا، وتعجز عن معرفة طبائع البشر، ناهيك عن حقائق سياسية أو واقع اقتصادي أو قضايا العقيدة، بل بعضهم يجهل حتى معلومات أساسية عن الأفراد المحيطين به، والإنسان العاقل يعرف عجزه وجهله، ومن الخطأ الكبير أن يتم تصنيف أحزاب، ويتوزع الناس إلى تجمعات يسارية ويمينية ووسطية ... .الخ بناء على آراء بشرية لا حقائق علمية ومثل هذه العقائد السطحية تجعل الاختلافات والانشقاقات شيئا طبيعيا بين المنتمين للحزب الواحد فما بالك بين بقية العلمانيين وغيرهم ولو نظرنا للفكر الإسلامي لوجدناه دستورا وقوانين وأخلاقا ومناهج تربوية الخ وهذا يعني أن التجمع الإسلامي سيسير في طريقه متماسكا ومتفقا على قضايا كثيرة ، وهناك حدود وضوابط للاختلاف الاجتهادي، فالمبادئ العلمانية ضعيفة تحمل في جوفها عوامل فشلها وتفككها كلما سارت القافلة، ولهذا تنتهي الى انشقاقات وصراعات وتصفيات، وتكون فريسة سهلة لانتماءات عرقية أو طبقية أو استبدادية أو غير ذلك قال تعالى:"مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون"سورة العنكبوت (42) ولا يوجد عند العلمانيين مبادئ تحرم القتل أو الكذب أو سوء الظن أو توجيه الاتهامات بالخيانة والضعف ولن يسلموا من المثالية والخيالية. وتحيرت الأحزاب الماركسية واليسارية في دول العالم الثالث بعد سقوط النظام الشيوعي في"اختيار بديل"للفكر الماركسي،وهذا يعني أشياء كثيرة منها أن ارتباطهم بالفكر الماركسي كان ارتباطا سياسيا أو مصلحيا أو توازنا محليا أو كراهية للرأسمالية وليس اقتناعا عقائديا مبنيا على العلم والتفكير والتحليل والأدلة العقلية . والسقوط"الفكري"للماركسية دليل على ضعفها الشديد وكنا نتمنى أن تحدث صحوة عند الشيوعيين والاشتراكيين بعد اقتناعهم أن فكرهم السابق قائم على الجهل والباطل والخطأ، ولكن بعضهم تحول إلى رأسماليين أو انعزاليين أو عنصريين أو ماديين أو بلا فكر!!.

الديمقراطية أو العلمانية

بعض مبادئ العلمانية الرأسمالية صحيحة، ونتفق فيها معها وبعضها كفر وزندقة وجهل وضياع، ومن مبادئها الصحيحة الديمقراطية بمعنى الاحتكام للشعب، وهو مبدأ نتفق معه إلى درجة كبيرة، وليست مطلقة، بمعنى أنه إذا قرر الشعب إباحة الخمر أو الشذوذ الجنسي فهذا نرفضه. ويواجه العلمانيون الديمقراطيون في الوطن العربي مأزقا لن يستطيعوا الخروج منه إلا بالتخلي عن العلمانية، أو عن الديمقراطية، وذلك لأن تبني الاحتكام إلى الشعب ستكون نتيجته تبني المبادئ الإسلامية بغض النظر عن درجة التمسك بها فعليًا لأن شعوبنا مسلمة لا تقبل فصل الدين عن الدولة، ولا تقبل المفهوم العلماني للحرية الشخصية، ولا تقبل تقليد الغرب في عاداته وأخلاقه، وترى في هذه المبادئ الكفر والزندقة والانحلال الأخلاقي قال المستشار محمد المأمون الهضيبي:"وعندنا في مصر 95% أو نحو ذلك من المسلمين اسألوهم هل يرضى أحد أن يطبق عليه غير الإسلام؟ اسألوهم لماذا لا يٌسألون؟ لماذا يسأل الناس عن كل شيء؟! إلا عن دينهم وعن رغبتهم في حكمهم به؟ يقولون الديمقراطية هاهي الديمقراطية قد سقطت على أوسع ما يكون، حتى في البلاد التي تدعي ذلك بدءوا أول أمس وأذاعوا هذا: لا نريد الديمقراطية لأنها ستأتي لنا بالأصوليين" (1) يقصد ما حدث في انتخابات الجزائر 1992 قال الدكتور القرضاوي: والعلمانيون يباهون بأنهم ديمقراطيون، وأنهم أنصار الديمقراطية ودعاتها. والديمقراطية هي النزول على إرادة الشعب.. فما بالهم هنا في قضية تحكيم الشريعة- يخونون مبدأهم، الذي اتخذوه شعارًا لهم؟!! (2)

(1) ص122 المواجهة بين الإسلام والعلمانية محمد صلاح الصاوي .

(2) ص86 الإسلام والعلمانية وجهًا لوجه د. يوسف القرضاوي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت