فهرس الكتاب

الصفحة 516 من 3028

3-التصويت الشعبي: نعم للتصويت الشعبي إذا كان ضمن ضوابط العلم والعقل والحكمة، أي المبادئ الصحيحة، أما أن يعتبر مرجعًا علميًا يتم حسم الأمور من خلاله حتى في قضايا العقائد والمبادئ، فهذه كارثة، فإذا صوت الشعب أن الأرض أكبر من الشمس، فهذه نكتة وحماقة لأنها تعارض حقيقة علمية مادية، وكذلك الأمر في قضايا العلم الفكري فإذا صوت الشعب بأن فصل الدين عن الدولة حضارة، وأن الزنا حرية، وأن الشذوذ الجنسي فضيلة، وأن الخمر تعالج الهموم، فهذا جهل يؤدي إلى شر ومفاسد كثيرة، ومن البديهات أن المجالس النيابية لا يصل لها العقلاء فقط بل هي تتأثر بالتوازنات العرقية والطبقية والعقائدية والسياسية، ويدخل فيها شراء الأصوات بوسائل مختلفة، وتتأثر كثيرًا بالدعاية الإعلامية...الخ. فهل هؤلاء مصدر نقي نصل منه للحقائق والعلم والنور؟ وهل من المقبول عقلًا أن نحتكم في مبادئنا لهؤلاء الذي يتحركون وأعين أكثرهم على أهواء ومصالح الناخبين سواء كانت حقا أو باطلا وهل من الحكمة أن نجعل التصويت الشعبي يقودنا حتى ولو خالف العقل والعلم مع علمنا بأنه يتأثر بالمصالح أكثر من تأثره بالحق والصواب.

4-الاحتكام للعقل: تزعم العلمانية أنها تحتكم إلى العقل، ونقول هل يوجد عندنا عقل واحد نذهب إليه ويعطينا حكمًا صحيحًا (علميًا) ؟ لا نجد الأمر كذلك، بل نجد لدينا عقولا بعدد سكان الكرة الأرضية، وكل عقل له عقائد واقتناعاته المختلفة عن الآخرين، ولا يمكن كذلك الاحتكام إلى عقول المفكرين لأنهم متناقضون وفي النهاية لن نستطيع الوصول إلى حكم، فالذين يتكلمون عن العقل بهذه الصورة يتكلمون عن سراب، أما إذا كان الكلام عن أدلة عقلية تسند هذا الرأي أو ذاك فهذا لن يوصلنا إلا إلى جدل لأن النقد والنقد المضاد لن ينتهي في كثير من الأمور كما شاهدنا في الحوار بين الرأسمالية والشيوعية، فهو حوار طرشان!!. فتحكيم العقل على الطريقة العلمانية أكذوبة ووهم إذا تعمقنا فيها، ولم نأخذها كما يريدوننا بسطحية وسذاجه. والإسلام قائم على تحكيم العقل بصورة صحيحة، فوجود الله سبحانه وتعالى ثبت بالعقل، وكذلك صدق محمد صلى الله عليه وسلم، ويبقى العقل يتحرك بنشاط في فهم النصوص القرآنية والأحاديث، والواقع والكون والحياة. ودور العقل في النقاش مع العلمانية وغيرها مطلوب وهو في أغلبه في مناقشة الأسس التي تقوم عليها لا في الفروع والجزئيات.

5-التجاهل: من أهم أسس العلمانية الرأسمالية التجاهل، فهي تتجاهل قضايا كثيرة عقائدية واجتماعية وأخلاقية ونفسية بحجة أنها قضايا ما وراء الطبيعة، أو حريات شخصية، أو لا أهمية لها في الحياة. وهذا التجاهل والهروب كارثة، وهو لو تعمقنا فيه ترك لأغلب القضايا التي تواجه الإنسان بدون تحديد الحق من الباطل فيها، وهو أيضًا إعلان عجز العقل العلماني عن الوصول إلى حسم فيها لأنه فشل في ذلك وتعب من النقاش والجدل حولها. فالأسرة تحتاج إلى كثير من المبادئ والأحكام والأخلاق حتى تسير بصورة صحيحة، ولا نجد للعلمانية مفاهيم محددة في هذا الموضوع، بل لا تعرف من الموضوع غير بعض القوانين التي بيد الدولة، أما غيرها فتتجاهلها ومرتبط بذلك هو ما نراه من حيادية العلمانية في كثير من الأمور فهي تقول أنها ليست مع الله سبحانه وتعالى ولا ضده، وليست مع الأديان ولا ضدها، وهذه الحيادية نوع من التجاهل، وهي إذا تعمقنا فيها ليست مع الحق، وليست ضد الباطل، وهي أشبه ما تكون بفرد متبلد الإحساس، ولا مبالي لا علاقة له بكثير مما يدور في هذا العالم من صراع بين الخير والشر.

6-الحلول الوسط والنسبية: نعلم أن الحلول الوسط والنسبية تصلح للوصول إلى اتفاق في قضايا اجتهادية سياسية أو اجتماعية أو غير ذلك، ولكن لا تصلح هذه الأمور لتحديد ما هي المبادئ الصحيحة؟ فلا يجوز أن يكون الحق نسبيا أو يتم مقارنة بين مبدأين، وبناء على ذلك نأخذ الأفضل فقد يكون الأفضل سيئًا، ولكن إذا تم مقارنته بما هو أسوأ منه يكون حسنا كأن يقال: يسمح بالخمر لأنها أقل ضررًا من المخدرات، ومما يذكر هنا أن العقل العلماني الأمريكي منع الخمر في بداية القرن العشرين، وهذا حق وصواب، فلما وجد معارضة شديدة سمح بها، أي خضع للشهوات والأهواء، وهذا هو جزء هام من مصادر الفكر العلماني، ويكمله فلسفة من يريد أن يشرب الخمر فليفعل، ومن لا يريد فليمتنع، فهذا حل وسط بين العقل وبين الشهوات ، وإذا حدث صراع بين أقوياء وضعفاء على مستوى دول أو أفراد نجد الحلول العلمانية في الغالب هي حلول وسط حتى لو كان الحق واضحًا. وهذا قد يكون مقبولًا إذا كنا عاجزين عن إعطاء الحق لصاحبه، ولكن هذا جزء من المبادئ العلمانية، ونجد فكرنا الإسلامي يتناقض مع هذا الأسلوب في الحياة، فنجد أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه- يقول في أول خطبة له كخليفة"القوي فيكم ضعيف عندي حتى أخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أخذ الحق له"ولو تعمقنا في مبدأ الحل الوسط لاقتنعنا بأنه مقبول عندهم لأن فكرهم ليس قائما على مبادئ (حقائق) يجب الالتزام بها بل هو آراء بشرية يمكن التخلي عنها بسهولة، ومع هذا يقولون بأن فكرهم راقي.

7-الحقائق فردية: عندما تطالبنا العلمانية بأن نتبع عقولنا، وعندما يقتنع كل واحد فينا بمبادئ وعقائد في القضايا الفكرية الأساسية تختلف عن الآخرين فهذا مقتنع بأن مصلحته الشخصية أهم من المصلحة الوطنية، والثاني بالعكس، والثالث بأن أهم ما في الحياة الجنس والخمر، والرابع أن الأخلاق أوهام وأكاذيب، وغير ذلك فكل واحد لديه"حقائق"فكرية خاصة به، وهذا بحد ذاته كارثة لأن الحقائق ليست فردية، بل هي شيء تم إثباته بالأدلة العقلية، وهي مبادئ يجب أن نسعى للالتزام بها، والدفاع عنها كأفراد وتجمعات وأحزاب ودولة، وبناء عليها نحدد من يسير مع الحق والصواب، ومن يسير مع الباطل والخطأ، قال الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه"أعرف الحق تعرف أهله"إننا نقرأ ونتحاور ونفكر حتى نصل إلى الحقائق لا أن يصل كل فرد إلى مبادئ يرى أنها"حقائق".

8-تقليد أمريكا: نفهم أن يقلد الإنسان الجاهل العلماء أو الآباء والأجداد ولكن من الغريب أن نجد أن حالة الإعجاب بإنجازات الدول الغربية التكنولوجية والسياسية والاقتصادية جعلت أحد الأسس للعلمانية الحديثة هو تقليد أمريكا وأوروبا تقليدًا أعمى بدون تفكير وتحليل لما نجحت فيه أو فشلت، أي بدون أي دور للعقل، ويكون هذا التقليد قبيحًا إذا جاء من مثقفين، ويكون أكثر قبحًا إذا قلدت أمريكا فيما فشلت فيه، لا في ما نجحت فيه، فمن المعروف أن أغلب جهود العلمانيين العرب ليست في مجال تطوير الوضع الإداري، أو التكنولوجي، أو الاقتصادي لبلادهم، بل هي في الدفاع عن الانحراف عن المبادئ والقيم والأخلاق حتى قال قائلهم الدكتور طه حسين:"كل شيء في فرنسا يعجبني ويرضيني، خير فرنسا وشرها، حلو فرنسا ومرها نعيم فرنسا وبؤسها.."وقال"لابد أن نسير سير الأوروبيين، ونسلك طريقهم لنكون أندادًا، ولنكن لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها حلوها ومرها، وما يحب وما يكره وما يحمد وما يعاب" (1) .

(1) ص80 أوهام العلمانية حول الرسالة والمنهج د.توفيق الواعي.

تعمقوا أيها العلمانيين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت