5-يقوم الفكر العلماني في جوانب أساسية منه على النقد والجدل والاتهامات والسخرية مما يجعل العلماني في حالة نقد وصراع واختلاف مع مجتمعه والآخرين؛ فلا تعجبه عقائد مجتمعه، ولا عاداته، ولا مواقفه السياسية، فكثير منهم لا يرى الإيجابيات بل يرى السلبيات فقط، ولهذا يصبح الأغلبية إن لم نقل الجميع منحرفون أو مقصرون أو مخطئون وهذا ليس من الوسطية، والاعتدال، فكما أن هناك سلبيات فهناك أيضا إيجابيات، وكل سلبية أو إيجابية يجب أن يعطيها وزنها بلا مبالغة ، ولا يوجد دولة أو جماعة بلا سلبيات . والوسطية تتطلب الموضوعية في الحكم على الأفراد والاتجاهات والعقائد والأحزاب والدول والتاريخ، وهذا شئ مفقود كليا عند العلمانيين، فقد أشبعوا الشرق واليسار مدحا قبل نصف قرن، وأشبعوا اليمين والغرب ذما والآن انقلبوا من تطرف إلى تطرف، ولعل أوضح دليل على عدم موضوعيتهم و وسطيتهم هو موقفهم من الاتجاه الإسلامي، فلم تعجبهم جماعة واحدة فيه على كثرة ما فيه من جماعات واجتهادات ومدارس فكرية، ولم يمدحوا إلا نادرا موقفا واحدا سواء كان جهاديا أو خيريا فهم متطرفون في عدائهم وفي ولائهم ومن لا يعجبه العجب، ولا الصيام في رجب فهو بالتأكيد بعيد عن الاعتدال والحق.
العلمانيون بلا مبادئ
قد يظن البعض أن اتهام العلمانيين بأنهم بلا مبادئ قول فيه تجن ولكنه حقيقة يجب أن يعرفها العلمانيون قبل غيرهم، وسأسلط الأضواء على العلمانيين الغربيين لأنهم النموذج الأشهر حاليا بعد انقراض العلمانيين الشيوعيين وإليكم الأدلة:-
(1) الحرية الكبيرة:- عندما يكون حجم الحرية كبيرا فهذا دليل على دائرة متسعة من التصرف مما يجعل المبادئ التي يلتزم بها الفرد محدودة فهو حر في أن يعبد الله سبحانه وتعالى، أو يكفر به، وهو حر في أن ينحرف أخلاقيا أو يستقيم، وهو حر في أن يشرب الخمر ويتعاطى المخدرات أو يمتنع، وهو حر في أن يذهب للكنيسة أو للمسجد أو لا يذهب، وهو حر في أن يكذب وان يتصرف في ماله كيف شاء الخ هذه الحرية تثبت أن"مذهبهم وسيع"وانه لا توجد مبادئ كثيرة يلتزمون بها. وفى المقابل نجد عندنا في الإسلام مبادئ كثيرة تتحكم في حريتنا وشهواتنا وانفعالاتنا ومالنا وعلاقتنا بوالدينا وأسرتنا. . ....الخ وقد يقول العلمانيون أن عندهم قوانين لكثير من الأمور، وهم ملتزمون بها، وأقول المبادئ اشمل واكبر من القوانين، فالقوانين تتغير بالتصويت، والمبادئ ثابتة، وليس كل القوانين مبادئ بل أغلبها ليست كذلك، وعندما تكون مبادئك متغيرة فليست عندك مبادئ، ولا يوجد عند العلمانيين شئ يجب الالتزام به إلا الدستور والقانون وما عداهما فهو غير ملزم أي منطقة حرة، أو بكلمات أدق ليس عندهم مبادئ وقيم خارج ما اتفق عليه الشعب في دستور أو قانون، وبالتالي فمبادئهم ناقصة ، ولا تشمل الحياة بتشعبها وتنوعها وعمقها!!.
(2) "المبادئ شخصية"من المعروف أن الفكر العلماني الرأسمالي عجز عن تحديد المعايير والمقاييس التي تحدد الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، ولهذا نجد للأفراد العلمانيين عقائد ومبادئ مختلفة، فما يراه هذا حقا يراه الآخر باطلا فهذا العلماني مقتنع بأن المال هو أهم مافى الحياة، والثاني مقتنع بتفوق الإنسان الغربي، والثالث بأن الزواج شر، وتخلف، وهكذا ....الخ وهذا التناقض مقبول عندهم ولا يخالف مبادئهم، وبالتالي فهناك مساحة كبيرة جدا من العقائد والسلوك والأعمال مسموح بها مما يجعل دائرة المبادئ المتفق عليها محدودة إلى درجة كبيرة، ولو نظرنا للفكر الإسلامي لوجدنا أن المعايير ثابتة، والحق واضح، والباطل واضح، وإذا حدث انحراف من المسلم فهو يعرف أنه انحراف عن المبادئ، في حين أن الانحراف الواضح كالجنس بين الرجال يعتبر في الغرب حرية شخصية، أي جزء من مبادئهم، فما الذي بقى في مجال الجنس حرام ؟!. فمساحة الحرام في الجنس وغيره محدودة جدا وهذا دليل على تحكم الأهواء والشهوات والمصالح في"مبادئهم"، والمبادئ تقوم على العلم واليقين، والعلمانية قائمة على الظن والشك، كل هذا يجعل من الطبيعي أن تكون مساحة المبادئ قليلة، والإيمان بها ضعيف.
(3) "الحياد السلبي"كثير من العلمانيين أعجبتهم"مبادئهم"مثل الناس أحرار في عقائدهم، والدولة لا تتدخل في عقائد الناس، واعمالهم وحرياتهموهذا الكلام الجميل كارثة عقلية وعلمية، وأيضا كارثة للمبادئ، فالعلمانية تحرص على الحياد، وعلى قلة المبادئ التي تؤمن بها . وبالتالي فالمعارك العقائدية التي تحدث بين أصحاب العقائد المختلفة الدينية والعلمانية لا تتدخل فيها، ولا تنصر حقا ولا تهزم باطلا ،فكلها عندها آراء لا تستحق الدراسة والحسم ، فالحق آراء، والباطل آراء، ومن المعروف أن من يتمسك بالمبادئ هو من يدخل في اختلاف وصراع مع الانحرافات سواء كانت عقائدية أو سياسية أو اجتماعية أو إدارية الخ. فعند العلمانيين أن تكون مؤمنا بالله سبحانه وتعالى أو كافرا به قضية يمكن الوقوف فيها على الحياد، وكذلك ليس هناك فرق بين أهل الطاعة وأهل المعاصي، ولا يوجد أمر بالمعروف ولا نهي عن منكر، ولا يهتمون بالانحرافات كالتبذير والفساد الأخلاقي والاجتماعي والغرور والغيبة الخ وقديما قالوا:"لو قلت الحق لأبغضوك"ولهذا نرى تفاعل العلمانيين والمتأثرين بالعلمانية مع قضايا مجتمعهم محدود وجزئي ، ويتركز على بعض القضايا السياسية والفكرية.