5-ليطمئن بعض العلمانيين فالملتزمون بالإسلام بصورة صحيحة ليس في قلوبهم كراهية وحقد على غير المسلمين بما فيهم الأمريكان ، فالمبادئ الإسلامية تجعلنا نحب الخير للناس، ونسعى لدعوتهم وهدايتهم، وتمنعنا من ظلمهم . وأي دراسة موضوعية ستثبت أن ثقافة التسامح لا توجد إلا في الإسلام بصورة شاملة وصحيحة وواقعية، وهي موجودة في كثير من الآيات والأحاديث، كما أن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم مكتوبة ومعروفة، فاقرءوها وستشاهدون ألوانا كثيرة من تسامح الإسلام مع أعدائه ومع المسلمين فحتى القاتل يتم العفو عنه إذا تنازل أهل القتيل، وأمر الله سبحانه وتعالى بالستر، وكظم الغيظ والعفو والإحسان والتنازل عن بعض الحقوق، والصبر على الأذى والظلم الخ ولا توجد أبدا مقارنة بين ثقافة التسامح بالإسلام، وثقافته بالعلمانية ومدارسها ،واعملوا مقارنة عادلة حتى تقتنعوا . قال تعالى:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8) سورة الممتحنة. وإذا كانت هناك أراء لجماعات إسلامية متطرفة أو فتاوى خاطئة تعطي غير مبادئ الإسلام فهي مرفوضة. وبالإمكان القيام في عصرنا هذا بدراسة ميدانية عن المسلمين الملتزمين في البلاد الإسلامية وفى بلاد الغرب وعلاقاتهم مع غير المسلمين سواء كانوا جيرانا أو أصدقاء أو أساتذة أو غير ذلك، وسنجد بالتأكيد أن غير المسلمين سيشهدون بحسن أخلاق المسلمين الملتزمين وصدقهم وأمانتهم، وأنهم لا يظلمون ولا يضرون . ونذكر هنا أنه حتى علماء الإسلام في أفغانستان وفى حكم طلبان عارضوا اعتداءات 11 سبتمبر على أمريكا، ولم يعتبروا ذلك عملا جهاديا يقره الإسلام. وثقافة التسامح لا تعني ألا نقول عن أمريكا والغرب أنهم أهل شرك وكفر وباطل، ولا تعني أن نصمت عن المواقف العدائية الأمريكية للمسلمين في فلسطين وغيرها، فلن نتنازل عن مبادئنا الإسلامية، ولا حقوقنا الوطنية ، وثقافة التسامح لا تعني أن نتسامح مع من يقتل ويخون ويسرق ويعتدي ويظلم وينافق ويعق والديه ويفسد في الأرض، وهذا ما تطبقه جميع شعوب الأرض قال:"ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب لعلكم تتقون" (179) سورة البقرة فالتسامح له قوانينه والعقاب له أحكامه، وقبول الآخرين له ضوابط وهكذا. ومن الجهل والكفر أن نعتقد أننا سنشرع قوانين للبشر تكون أرحم وأعدل وأكثر تسامحا مما شرع لهم الله سبحانه وتعالى!!"
أكذوبة الوسطية العلمانية
يظن العلمانيون وما أكثر ما يبنون بنيانهم على الظن لا العلم أنهم أهل وسطية، واعتدال، وموضوعية في الفكر والمواقف ونقول بأن رغبتهم في الوسطية والاعتدال هدف صحيح ولكن الفكر العلماني لا يؤدي إلى ذلك، فكم من مريد للحق لن يصيبه واليكم الأدلة:-
1-الفكر العلماني ليس فكرا وسطيا بين ما لدى البشر من عقائد بل هو فكر متطرف سيئ حتى ولو كانت فيه جوانب اعتدال، فالفكر الشيوعي كان فكرا متطرفا للعمال والفقراء والقطاع العام، ومتطرفا في موقفه من الانتماءات القومية والوطنية، ومتطرفا في موقفه من الأديان السماوية الخ أما الفكر العلماني الرأسمالي فهو أقل منه تطرفا في موقفه من الدين، إلا أنه ليس فكرا وسطيا لأنه يرفض الدين ويعتبره أساطير، وتعصبا وتخلفا وهو فكر ينطلق كليا من أراء الفلاسفة ، ويلغي كل ما في التاريخ البشري من كتب سماوية وفكر لعلماء الأديان، ولا يعتبر الدين حتى أحد مصادر التشريع حتى ولو كان في أمة الغالبية الساحقة منها مسلمون أو مسيحيون، والفكر العلماني الرأسمالي ليس حلا وسطا لاختلافات المسلمين مع المسيحيين، فهو شئ ثالث مخالف لهما، أي هو يرفض تبني الحقائق المشتركة بين الإسلام والمسيحية من ضرورة طاعة الله سبحانه وتعالى، واتباع الرسل، والحرص على الأخلاق الفاضلة، والالتزام بالعبادة والأمور الروحانية الخ بل تجده يدافع عن الزنا والخمر والربا والتبرج، فكأنه يتعمد استفزاز الأديان السماوية في مواضيع يعرف كل عقل سليم أنها انحرافات أخلاقية واجتماعية، وتطرفهم يجعلهم يثيرون الفتن والأزمات ، ولو نظرنا للفكر الإسلامي لوجدنا الاعتدال في عقائده وعباداته وشريعته، فهو مع مصلحة المجتمع لا مصلحة العمال ولا التجار وهو يوازن بين أمور الدنيا وأمور الدين، وبين الفرد والمجتمع والحديث طويل، ونختصره في قوله تعالى:"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس" (143) سورة البقرة فالوسطية هي صفة رئيسة في فكرنا منذ خمسة عشرة قرنا.
2-لم يكن العلمانيون وسطا في المواقف السياسية فهم لا يمثلون الاعتدال داخل أسرهم وعوائلهم وقبائلهم وشعوبهم وأمتهم ، فبعضهم يميني، ويعضهم يساري، وهناك معتدلون، وتراوح تحالفهم وأحيانا ولائهم من روسيا إلى أمريكا وأصبحت مجموعة كبيرة منهم اليوم موالين لأمريكا ، ومدافعين عن مصالحها ، وليس فقط فكرها إلى درجة أنهم أصبحوا ينافسون أكثر الأمريكان تطرفا، فكل ما تفعله أمريكا حق وصواب حتى لو خالفت مواثيق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان كقتل المدنين والأسرى في أفغانستان. ولا يعتبر العلمانيون تجمعا معتدلا في الحياة السياسية العربية؛ فهم انعزاليين و مغرورون وعلاقاتهم بالقواعد الشعبية - ناهيك عن القوى السياسية - هي علاقات ضعيفة،أو مقطوعة وليسوا قوة معتدلة تلتقي عندها القوى الشعبية في حلول وسط، ومما يثبت عزلتهم وضعفهم هو سقوطهم الكبير في أي انتخابات شعبية حرة، ولو كانوا كانوا يمثلون الاعتدال والوسطية لنجحوا، وهذا شئ طبيعي، فتطرفهم الفكري والسياسي يجعلهم منبوذين من مجتمعهم، ولو كانوا وسطا لكانوا مندمجين في مجتمعهم في آمالهم وآلامهم وأهدافهم ومواقفهم وأقوالهم.
3-والعلمانيون ليسوا وسطا بين الكلام والعمل، بل هم أهل كلام وجدل وفلسفة وسخرية ونقد، ونصيبهم من الإنجازات العملية محدودة جدا، فهم ظاهرة صوتية عاجزة عن تحقيق إنجازات كبيرة عملية، ليس فقط في المجال السياسي، بل أيضا في المجال الاجتماعي والاقتصادي والخيري، ولو قارنا مساهمتهم العملية في العمل الخيري مع الاتجاه الإسلامي لوجدنا فرقا هائلا، بل لا توجد حتى مقارنة !!.
4-والعلمانيون ليسوا وسطا أيضا في فهمهم للحياة وشموليتها، فأغلب جهودهم وتفكيرهم واهتماماتهم في الجانب السياسي والاقتصادي، وبهما وضعوا أغلبية بيضهم إن لم نقل جميعه، أما سلة العقائد وسلة الأخلاق وسلة الحياة الاجتماعية فهي فارغة أو شبه فارغة من بيضهم، فنادر جدا ما تجد علمانيا يطالب بالأخلاق الفاضلة، ويعرف كيف يصل إليها، وعندما نتكلم عن الأخلاق مثلا فنحن نتكلم عن شئ هام جدا في حياة كل فرد، أو أسرة، أو مجتمع، أو دولة، فهي أساس من الأسس الرئيسة للبناء قال أحمد شوقى رحمه الله:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا