فهرس الكتاب

الصفحة 512 من 3028

2-الفكر العلماني ليس فكرا محدد المعالم يحدد ماهي الحرية والعدل والمساواة والتسامح، بل هو فكر قائم على الاختلاف حول معاني هذه الأمور فما يراه هذا العلماني عدلا يراه الآخر ظلما وما يراه الثالث حرية يراه الرابع عبودية، والخامس فوضى، وما يراه السادس تسامحا يراه السابع سذاجة الخ والاختلاف يؤدى إلى الصراعات والكراهية وعدم التسامح بين العلمانيين، فما بالك فيما بينهم وبين غيرهم من أهل الأديان السماوية خاصة وأن العلمانية قائمة على تسفيه الدين، واتهامه بأنه سبب التخلف والتعصب، وسيكون بالتالي المتمسكون بالأديان السماوية متهمين بأنهم متعصبون ومتخلفون ومتطرفون، وهذا الاقتناع نراه ينعكس في التعامل معهم على المستوى السياسي والشخصي، فهي سجنت الدين في المساجد والكنائس وهي حاربت الأحزاب الإسلامية، ولم تعطها حتى حق الاحتكام إلى الانتخابات والتصويت الشعبي، فهي مرفوضة حتى ولو حصلت الأغلبية الشعبية الساحقة، ومع هذا يقولون الحكم للشعب، ووصل عدم التسامح في فرنسا إلى منع طالبة مسلمة من التعليم لأنها ترتدي الحجاب، أما تركيا العلمانية فحدث ولا حرج، ووصل التدخل حتى إلى جعل الآذان بالتركية، والى طرد نائبة لأنها متحجبة، والى منع المدارس الإسلامية، والى التحالف مع إسرائيل اليهودية مع أن الشعب التركي شعب مسلم ، ولكنه يحكم بالقوة العسكرية، وكل هذا ينشئ بيئة بعيدة عن التسامح وقد وضعت العلمانية تصنيفات جديدة للبشر كما وجدنا في المعسكر الغربي الرأسمالي والمعسكر الشرقي الاشتراكي، و وجدنا عالم"حر"وعالم"غير حر، ووجدنا تقدمي وثوري ومحافظ ويمين ويسار ورجعي وإمبريالي وكلها تقسيمات علمانية، فهي هربت من التعصب الديني المرفوض دينيا لتقع في حفر الجهل والتعصب العلماني!!!."

3-أمريكا العلمانية لم تكن يوما نموذجا صالحا للتسامح مع الهنود الحمر، ولا مع الزنوج، بل قتلت واستعبدت واضطهدت! وأين التسامح في تعامل الأمريكيين مع قادة الأمريكيين الأفارقة مثل مارتن لوثر كينج والزعيم المسلم مالكوم اكس، لقد تم السماح باغتيالهم، وما أخذه الأفارقة من حقوق انتزعوه انتزاعا، وليس نتيجة التسامح العلماني الأمريكي، وأين التسامح الأمريكي في إلقاء قنبلتين نوويتين على عشرات الآلاف من المدنيين اليابانيين في الحرب العالمية الثانية ليقتلوا الأطفال والنساء مع أن أمريكا لم تكن مهددة في عقر دارها، وكانت معركة عادلة لحرب بأسلحة تقليدية، وأين التسامح في الذهاب إلى فيتنام ومحاربة الشعب الفيتنامي بقنابل النابالم ؟ وأين التسامح في تدبير الانقلابات في أمريكا الجنوبية ضد إرادة شعوبها ؟ فهي لم تتسامح مع من يطالبون بالاستقلال، وحرية تقرير المصير، فما بالك بغيرهم ؟! ، والتسامح الأمريكي موجود مع إسرائيل ووقوفها في أكثر من عشرين فيتو تؤيدها، وتمنع معاقبتها من دول العالم، والتسامح موجود مع حكام ديكتاتورين في أفريقيا وأسيا لأنهم يحققون مصالحها، ولا يهمها ما عملوا من جرائم وسرقات ....الخ . وإذا كانت أمريكا هي الدولة رقم واحد خلال الخمسين سنة الماضية، فكلنا يعلم أن السياسة العالمية قائمة على المصالح والقوة كما في أغلب فترات التاريخ، وليست قائمة إطلاقا على المبادئ أو على جزئية منها اسمها التسامح، وكلنا شاهدنا كيف تعاملت أمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر مع باكستان، وهي دولة ذات سيادة حيث قالت لها إما معي أو ضدي في حربي مع أفغانستان، فهل هذا تسامح أو حتى التزام ببديهيات القانون الدولي والأعراف الإنسانية؟ وهذا كلام معلن وليس تهديدات سرية، كما أن تسامحها كان مفقودا في قصف الطائرات للأفغان العرب الأسرى في سجن مزار الشريف حيث قتل بعضهم وهم مقيدون، فلا تحقيق بالأمر، بل تعتيم إعلامي والتسامح الأمريكي بدأ فورا بعد أحداث 11سبتمبر بإنشاء محاكم عسكرية للمتهمين، وواجه كثير من العرب من المقيمين بأمريكا"ألوانا"من التسامح الأمريكي في اضطهادهم ومقاطعتهم بلا أي تهمة . ولم يعد من حرية الرأي أن تسمح أمريكا ولو بصوت واحد يؤيد أسامة بن لادن داخل أمريكا فأين حرية الرأي ؟ وضرب الجنود الأمريكان جنديا برتغاليا في قاعدة لحلف الأطلسي لأنه أيد بن لادن إن حرية الرأي هي في تشويه الدين، واتهام الله سبحانه وتعالى،أما مصالح أمريكا واقتناعاتها فلا تقبل أن ينتقدها أحد !!.

4-لم يظهر العلمانيون العرب أو المتأثرون بالعلمانية أي نوع من التسامح مع الآخرين، ونحن نتكلم عن واقع امتد خمسين عاما حيث شاهدنا مواقف دموية وعنيفة فيما بينهم، وكذلك في تعاملهم مع الإسلاميين واقرءوا التاريخ القريب فهو كتاب كبير مفتوح يثبت التصفيات والتآمر والسجن والتعذيب والطرد والنفي والشك وسوء الظن، فكل حاكم لا يحتكم للإسلام فهو علماني وكل حكومة لا تحتكم للإسلام فهي علمانية ، وقد ذاقت بعض شعوبنا مرارة العلمانية والعلمانيين وعانت من كذب شعاراتهم وفشلهم في تحقيقها، فلا حرية رأي، ولا انتخابات نزيهة، ولا احتكام إلى قانون بل لأنظمة سرية وديكتاتورية وإرهابية، وموقفهم من الدين كان في الغالب سيئا جدا، وفى أحسن الأحوال يتم تجاهله، ويكفي أن بعض شعوبنا أخذت تترحم على أيام الاستعمار البريطاني والفرنسي بعدما رأت ما فعله العلمانيون والمتأثرون بالعلمانية، وحاربوا حتى العمل الخيري وشككوا في أهدافه وأمواله. وأقول وأكرر الفلسفة العلمانية قائمة على نقد الآخرين وتسفيه آرائهم وعقائدهم، وهي بالتالي لم ولن تستطيع بناء المحبة والتعاون والتسامح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت