فهرس الكتاب

الصفحة 511 من 3028

وعجزت العقول العلمانية عن إثبات الشرعية العقلية لهذا المعنى أو ذاك، واختلفوا حول حجم حرية الصحافة، وحرية وجود الأحزاب السياسية، واختلفوا حول حدود حرية الشباب، والوالدين، والأطفال، فبعضهم يعتبر ضرب الأب أو الأم للطفل اعتداء على حرية الطفل وحتى لو اجتمع العلمانيون وحاولوا أن يتفقوا عقليا على تعاريف واضحة وشاملة للحرية فلن ينجحوا أبدا، وإذا حاولوا أن يصلوا لها من خلال التصويت على مستوى الشعب فهذا ليس حلا علميا وعقليا، بل هو حل سياسيي، لأن كل شعب سيختار المعاني التي يقتنع فيها، وهذا يعني أن الحرية ستختلف معانيها من شعب لآخر. وستبقى المعاني الصحيحة للحرية مجهولة ويعني ذلك أننا سنسعى وراء شئ غامض، وسراب لا نعرفه إلا اسمه حتى ولو عرفنا بعض ملامحه مما لا تختلف عليها العقول العاقلة، ونقول لكل المفكرين والمنادين بالإصلاح والرقي البشري لا تتعاملوا مع الواقع قبل أن تعرفوا ما هي الحرية الصحيحة؟ وما هو العدل؟ فالنوايا الصادقة لا تكفي للإصلاح، وقد يكون من الغريب أن التعمق في قضية الحرية سيجعلنا نقتنع أن الإنسان مقيد بقيود متنوعة و واجبات كثيرة، فحرية القول ليست على إطلاقها، فممنوع اتهام الناس، أو السخرية منهم، أو غيبتهم، أو شتمهم ،أو استخدام ألفاظ بذيئة، وأنت لست حرا في وقتك، فهناك واجبات كثيرة نحو والديك وأهلك وأبنائك و وطنك وأقاربك الخ وهناك وقت للعبادة والعمل الخ وننبه هنا إلى قضية هامة جدا وهي أن البعض يفهم الحرية بأن معناها التحرر من المبادئ والأخلاق، ونقول التحرر الحقيقي هو التحرر من الشهوات، وحب المناصب، وعشق المال، والحسد، والحقد الخ . ويقصد أغلب العلمانيين بالحرية حرية الفساد الأخلاقي، وحرية التهجم على الدين وحرية الزندقة والكفر، وحرية إثارة الغرائز الجنسية بالروايات والأفلام: قال لي أحد المتأثرين بالعلمانية: من حق الإنسان أن يمارس الجنس إذا كان عمره يزيد عن واحد وعشرين عاما. فقلت له: هل تقبل هذا من ابنتك ؟ قال: لا سأقاطعها. والتناقض هنا مادمت تؤمن أن هذا حرية فلماذا تغضب من ابنتك إذا كانت ما تفعله حرية ؟ إنه هنا يناقض مبادئه ويرفضها ...ويريد أن تكون ابنته عفيفة وزوجة محترمة وهذا ما يريده كل أب وأخ، وما نحبه لأنفسنا يجب أن نحبه للآخرين والمبادئ الصحيحة"الإسلامية"هي التي تحقق ذلك والحرية الصحيحة (الإسلامية) لا نخجل منها ، ولا نكيل فيها بمكيالين، وبعض العلمانيين يقبلون العلاقات الجنسية قبل الزواج، ويرفضونها بعد الزواج ، فإذا كان الجنس خارج الزواج فساد فليرفضوه سواء كانوا عزابا أو متزوجين، وإذا كان جزء من الحرية فليقبلوه قبل الزواج وبعده، وهناك من يقول أن من حرية، الإنسان أن يشاهد الأفلام الجنسية ما دام في بيته، أما إذا جعل هذا العمل تجارة أو قضية عامة فهو مرفوض وضد الحرية وأقول إذا كانت المشاهدة جزء من حرية الإنسان فلتكن حق يمارسه من يريد داخل المنزل أو خارجه، وإذا كانت باطلا فلنرفضها في كلا الحالتين. وهناك من قال: أعطوا الإنسان حريته ودعه يختار ؟ وأفتح الأبواب للناس ودعهم يختارون، ولا تتحكموا في حياتهم وأمورهم؟ ومثل هذه الأقوال يرد عليها بان الله سبحانه وتعالى أعطى للإنسان كامل الحرية حتى في الأمور العقائدية، فبإمكان الإنسان أن يكفر بالله سبحانه وتعالى ويكون زنديقا وملحدا وبإمكانه أن يكون مسلما وصالحا قال تعالى:"وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (29) سورة الكهف ، فلا أحد يستطيع أن يفرض على الإنسان أن يؤمن بالله، أو أن يصلي، أو أن يكون صادقا في كلامه .ولكن إذا كنا نريد أن نكون مسلمين فحدود الحرية معروفة، وليس منها فتح أبواب الفساد الأخلاقي والزندقة والأدب الرخيص والأفلام الهابطة، أما إذا كنا كشعب نريد أن نكفر ونتبع غير الإسلام فافتحوا الأبواب لما شئتم ، وافعلوا ما تشاءون، فليس بعد الكفر ذنب ولا يوجد"حل وسط"كأن نكون مسلمين كأفراد وكفار كمجتمع أي نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض ولا يوجد حل وسط في الإيمان، ولا يجوز أن يعتقد أو يظن المسلم أنه أرحم أو أعدل أو أعلم من الله سبحانه وتعالى، ولهذا سيضع قوانين للحرية أكثر تطورا !!. ومن الأمور الهامة في هذا الموضوع أن موضوع فرض عقائد وقوانين هو شئ موجود في كل الدول، فالولايات المتحدة قد تمنعك من الدخول لها، وهذا ضد حريتك في التنقل في أرض الله، وهي تفرض عليك أن تعيش قوانينها في التجارة والعقوبات والسياسة والضرائب وأعلامها . ولم نغلق كمسلمين الأبواب على حريات الناس، وما يفيدهم، ولكن أغلقنا أبواب الفساد والشر، فكل أب عاقل وليس بالضرورة أن يكون مسلما يمنع أبناءه من الخمر والزنا والأفلام الجنسية ....الخ ويجبرهم على الدراسة ولا نعتبر ذلك تحطيما لحريتهم أو من الاستبداد والظلم.

أوهام التسامح العلماني

من طبيعة الفكر العلماني النقد وتوجيه الاتهامات للخصوم بالتعصب والرجعية والتخلف الخ بل إن من أساسياته انتقاد وتسفيه المناهج الفكرية العلمانية نفسها لأنه فكر قائم على آراء الفلاسفة وجدلهم، وسنأخذ تهمة واحدة يتهم فيها العلمانيون المسلمين بأنهم ضد التسامح، وأن العلمانيين هم أهل التسامح ونقول هذا ليس بصحيح وإليكم الأدلة:-

1-انقسم العلمانيون إلى رأسماليين واشتراكيين وشيوعيين ونازيين وغيرهم، وهذه كلها أفكار صنعتها عقول الفلاسفة، وأنتجت المعسكر الغربي، والمعسكر الشرقي، والمعسكر النازي وغيرهم، وهؤلاء تعصبوا لمبادئهم، وأنتجوا في القرن العشرين وحده عشرات الحروب من بينها حربين عالميتين قتل فيهما أكثر من أربعين مليون من البشر، وهذا الرقم أضعاف ما قتلته الحروب باسم الأديان السماوية بالحق وبالباطل، فأين التسامح العلماني ؟ وما ذكرته حقائق واقعية وليس أراء شخصية، ولنتذكر أن أغلب من قتلوا في الحروب العلمانية هم المدنيون من أطفال ونساء ورجال، فحروبهم ليست بلا تسامح فقط بل بلا أخلاق والحروب الرأسمالية الاستعمارية حدثت بين الدول الأوربية العلمانية من القرن السادس عشر وحتى التاسع عشر، وحدثت بين المدارس الشيوعية العلمانية، واتهاماتهم كانت الخيانة للثورة، والتآمر على النظام، والعمالة للإمبريالية الخ . ونذكر بأن أهداف الحروب الدينية الصادقة نشر الرسالة السماوية، وتطبيق شريعة الله، أما أهداف الحروب العلمانية فهو تحقيق المصالح المادية، وإشباع التعصب العرقي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت