ونحن نختلف مع بعض المحسوبين على أهل الحديث ممن يتطرفون في بعض اقتناعاتهم فيتمسكون بصورة عمياء بالنصوص دون دور للعقل فهم يقللون من أهمية الاجتهاد والتفكير وقراءة الواقع وفهم المقاصد وقد ذكر بعض الأمثلة الإمام ابن الجوزي في كتابه"تلبيس إبليس"وأصحاب الحديث الحقيقيون هم أهل التفكر والتأمل والاجتهاد وهم الذين قال عنهم الإمام أحمد بن حنبل امام أهل السنة والجماعة عندما سئل عن الفرقة الناجية"إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم"وإذا كان هناك من العلمانيين من يشكك بصحة بعض الأحاديث النبوية. فاقول دور العقل هو التأكد من نسبتها الى الرسول وقد بذل علماء المسلمين أقصى ما يستطيع الجهد البشري للتأكد من صحة الأحاديث ووضعوا الكتب في الأحاديث الصحيحة والضعيفة والموضوعة وهو ما لم يحدث في تاريخ البشر كله وكلما ابتعدنا عن الأحاديث النبوية فرح أصحاب العقائد المنحرفة والأهواء والزنادقة والعلمانيين.. الخ ويكفي أن نتذكر أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا خير البشر وأكثرهم التزامًا بالأحاديث قال الإمام أحمد بن حنبل"أهل الحديث أفضل من تكلم في العلم" (1) ويظن العلمانيون أن الالتزام بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية هو نوع من السطحية والبدائية وفيه تعطيل للعقل والفقه وهذا الظن خاطئ جدًا لأن أهم العلوم هو معرفة آيات القرآن والأحاديث النبوية فهذا هو العلم الصافي الذي يبنى عليه الاجتهاد والعمل والعدل والحكمة والحرية والقانون والعبادة والحياة الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية أما ما خالفه من آراء الفلاسفة ومفكرين وسياسيين فهي مبنية على الظن والشك والعادات والتقاليد والأهواء والمصالح والعصبيات أي هي جهل في جهل حتى لو كان بعضها صحيحًا بالصدفة.
(1) ص67 مكانة أهل الحديث للشيخ ربيع هادي المدخلي
الكلمة الإسلامية
يتعرض العلم الفكري في عصرنا هذا إلى حرب ثقافية أسلحتها الكتب والمجلات والجرائد والتلفاز والإذاعة والجامعات والمدارس والفلاسفة وكثير من المثقفين والصحفيين والسياسيين... الخ وينشر هؤلاء حجما هائلا من المعلومات وتحاليل فاشلة، وعقائد خاطئة، وأهداف مشوهة، ومواضيع ثانوية وتافهة، ولا أبالغ إذا قلت إن 90% من هذه المعلومات يضر ولا ينفع مع أنها تتحدث عن العدل والحرية وحوار الحضارات والدين والدولة والحقوق والواجبات والأحداث السياسية والإصلاح؛ فهي تبعد الإنسان عن العلم المفيد له في حياته الشخصية والعامة، وعلينا أن نفرق بين الثقافة والعلم. فهناك فرق شاسع بينهما، فالثقافة تزداد بزيادة ما تقرأ أو تسمع وتشاهد في مختلف مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والعقائدية والاجتماعية والإدارية والتاريخية والأدبية... الخ في حين أن العلم الفكري هو معرفتك بالحقائق الفكرية الأساسية التي تحتاجها في حياتك الشخصية والأسرية والسياسية، فإذا لم تكن تعرف الحقائق الفكرية فأنت جاهل حتى ولو كنت أكبر مثقف عرفته البشرية إنك بالتأكيد لست صاحب علم ينير لك طريقك في الحياة ، وعشرة صفحات تزيدك علمًا أفضل من آلاف الصفحات تتعب بصرك بلا فائدة حقيقية! وما أكثر الناس الذين تشفق عليهم مما يقرءون من روايات ومجلات وسير ذاتية وكتب فلسفية! فالثقافة كارثة إذا زادت عن حدها وهي كارثة عظمى إذا أخذت وقت العلم أو اعتبرت بديلًا عنه . وحتى نحدث ثورة في الثقافة والعلم الفكري فإنني اقترح ما يلي:-
1-الطريق المختصر للحق ولبناء حياة البشر على أسس عقائدية وسياسية واجتماعية وتربوية صحيحة هو قال الله وقال رسوله وليس هو في مئات الصفحات كتبها فيلسوف ضائع، ولا هي في مفاهيم إصلاحية كتبها مفكر أمريكي أو صيني، أو في حلقة تلفزيونية تعتمد على الآراء والظنون والتجارب الشخصية. هذه وغيرها مضيعة للوقت حتى لو أعطتنا بعض الثقافة والمتعة علينا أن نعرف خالقنا وصفاته وكيف نعبده؟ وبماذا أمرنا؟ وعلينا أن نشغل وقتنا بالأعمال الصالحة الدنيوية والأخروية. إن أهم ثروة للبشرية هو وقتها وهي تضيع الجزء الأكبر منه فيما لا يفيد. وما أدعو إليه هو ما فعله الأنبياء والعلماء الواعون فاقرءوا حياتهم وستجدون إن شاء الله هذا واضحًا، وأقول وأكرر: الإسلام دين عملي يبحث عن العلم المفيد ليطبقه قال الإمام أحمد بن حنبل"لا أحب الكلام فيما ليس تحته عمل"والعلمانية منهج فلسفي جدلي يهمه الكلام والنقد فلنفكر كيف نحقق تنمية سياسية واجتماعية معتمدين على مبادئ الإسلام وحقائق الواقع حتى نحول ذلك لخطط وأعمال تفيد مجتمعاتنا.. أنقذوا العلم من كلام الضائعين وجدلهم.
2-إن الحوار مع غير المسلمين يجب أن يركز على قضيتين: وجود الله سبحانه وتعالى، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ،لا على مفاهيم الحرية والعدل والتاريخ وحقوق الإنسان وحوار وصراع الحضارات. وأخطأ كثير من المثقفين المسلمين وأحيانًا بعض العلماء في الاهتمام بالثقافة الغربية، وقراءة ما كتب فلاسفتها ومفكروها، وتجهيز الردود عليها ومحاورتهم ، وأفضل نموذج لهؤلاء علماء الكلام في الخلافة العباسية حيث استخدموا الأسلوب الفلسفي والمصطلحات الفلسفية. وعيب علينا كمسلمين بعد أن تعلمنا أن الكلام المفيد في القرآن والسنة أن نتفلسف. إن أي قارئ لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم يجد الفائدة والنور والحكمة والاختصار والبلاغة والعقلانية والحق والصواب . وأدعو إلى حوار حضارات مع العالم الغربي، ولكنه حوار له أهداف أهمها هو الوصول إلى العلم الفكري، ومن خلال التركيز على الأدلة التي تثبت صواب مبادئنا أو مبادئهم ومنا قشتها بعمق وعقلانية.
3-من الأخطاء التي نجدها هو تركيز بعض المسلمين في العلم الفكري (الإسلام) على بعض المواضيع مثل العبادات والأخلاق مع إهمال قضايا عقائدية وسياسية واقتصادية هامة كالعلمانية وحقوق الإنسان والشورى والإنتاجية في العمل والعمل الجماعي والتعاون الاقتصادي والتعصب العرقي، ومفاهيم الإصلاح والعمل الخيري .. فمن الخطأ أن نجد مئات الكتب تتكلم عن الصلاة ، وأغلبه كلام مكرر، ولا نجد عشرات الكتب تتكلم عن الشورى، أو الإنتاجية في العمل والصدق، فلابد من إيجاد توازن في العلم لدى المسلمين والغريب أن كثيرا من المسلمين اليوم لا يهتم بإتقان عمله الوظيفي كأن هذا ليس من الإسلام، ونجد كثيرا منهم يتعصبون لقبائلهم وشعوبهم بدون أن يسمعوا من يقول لهم إن هذه جاهلية منتنة. وأطالب بالقيام بثورة في الكتب الإسلامية، وخطب الجمعة، والمجلات الإسلامية، تعيد ترتيب أولوياتنا العلمية الإسلامية بطريقة صحيحة خطوطها العريضة تركز على العلم لا التراث، وعلى الواقع لا التاريخ، وعلى العمل لا الكلام ، وعلى بناء النموذج الإسلامي لا رد الفعل على أقوال وأحداث، فليس مقبولًا أن نجد الشورى غائبة في أغلب دولنا في مجالاتها السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية، ولا نجد إلا القليل من الاجتهاد في هذه المواضيع.