4-لست ضد الاطلاع على الخطوط العريضة لثقافات الشعوب الغربية والشرقية، ولكن ضد أن نغرق في تفاصيلها وضد أن ننسى أن العلم أهم من الثقافة بآلاف المرات، ولست ضد أن نعرف التاريخ، ولكنني ضد أن يأخذ من وقتنا أكثر من واحد في المائة مما يأخذه الحاضر والمستقبل، ولست بالتأكيد ضد الانفتاح والاستفادة من تجارب العقل البشري الصالحة والفاسدة في مختلف المجالات، ولكنني ضد أن ننسى أن العمود الفقري للعلم الفكري هو القرآن والسنة، وما أريده هو أن نختصر ما يقال ويكتب ويشاهد في العالم بنسبة 90% لأنه أغلبه لا فائدة منه وكثير منه مضر . قال ابن تيميه:"وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا مع أنهم أكبر الناس علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، أقل الناس تكلفًا يصدر عن أحدهم الكلمة، والكلمتان من الحكمة، أو من المعارف ما يهدي الله به أمة، وهذا من منن الله تعالى على هذه الأمة، وتجد غيرهم يحشون الأوراق من التكلفات والشطحات ما هو من أعظم الفضول المبتدعة، والآراء المخترعة" (1)
(1) ص216 رجال الفكر والدعوة في الإسلام لأبي الحسن الندوى .
وأقول لمن ليس مقتنعا بما أقول: أقرا ما كتب في العالم عن"العدل"، وانظر فيما ستصل إليه من مبادئ واقتناعات وستجد أن التعريف العقلي العلمي هو التعريف الإسلامي، وما عداه فهو مجرد آراء فيها صواب وخطأ، فابدأ من حيث ندعوك لا تنتهي من حيث نبدأ نحن فهذه الرحلة لا داعي لها، وكثيرون قبلك جربوها كما قال الرازي"لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا"وقال: ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا وقال الجويني: يا أصحابنا، لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به!! (1) وقال الأمام احمد بن حنبل:"لا تجالسوا أهل الكلام وان ذبوا عن السنة"وقال الإمام الشافعي:"حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال،ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام" (2) .
(1) ص 43 العقيدة في الله د. عمر سليمان الأشقر.
(2) ص42 العقيدة في الله د. عمر سليمان الأشقر.
شبهات علمانية ظالمة (1)
ما أكثر الاتهامات التي يوجهها العلمانيون للإسلام، والتي إذا درسناها سنقتنع بأنها خاطئة وظالمة، وليست لها أي أساس من الصحة واليكم بعضها:-
1-مبادئ قديمة: هل تريدون أن نعيش بعقائد واقتناعات مضى عليها خمسة عشر قرنا ونحن في عصر الإنترنت والطائرة والعولمة ؟ ونقول من قال إن المسلمين لا يؤيدون استخدام الطائرة والإنترنت والطب الحديث..الخ فكل البلاد الإسلامية تسعى لذلك، وكثير من المسلمين تخصصوا في علوم الهندسة والتكنولوجيا فهذا الاتهام باطل من أساسه، فلا توجد معارضة فكرية إسلامية لهذه العلوم ، فالعلمانيون يفتعلون مشكلة غير موجودة أصلا، أما بالنسبة للمجال الفكري فحقائقه ثابتة حتى ولو كانت قبل خمسة عشر قرنا ، فوجود الله سبحانه وتعالى حقيقة فكرية لا تتغير مع الزمن، وكذلك صفاته، وشريعته، والإنسان هو الإنسان يضحك ، ويبكي ويحب ويكره ، ويؤمن ويكفر، ويصدق ويكذب، ويعدل ويظلم..الخ هكذا كان الإنسان قبل خمسة آلاف سنة، وهو كذلك حاليا، وسيبقى كما هو إلى أن يرث الله سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها. والشيوعية عقيدة حديثة كنظام وكدول، ومع هذا فقد ثبت فشلها النظري والعملي، وكل أقوال الفلاسفة الحديثة هي نفسها أقوال الفلاسفة القدماء ، أي كلها أراء موجودة منذ أكثر من ألفين سنة، فالإلحاد قديم، والإيمان قديم ، والاختلاف حول معاني الحرية والعدل قديم، وهكذا فكل المبادئ الصحيحة والخاطئة ( الدينية والعلمانية ) قديمة، وباختصار تحديد الحق من الباطل في المجال الفكري والمادي أيضا ليس قائما على القديم والحديث بل على الأدلة التي تثبت أنه حق أو باطل.
2-العقول الجامدة: تمسكنا بالحقائق الفكرية الإسلامية ( القرآن والسنة ) ليس معناه إطلاقا أننا نجمد عقولنا، وأننا لا نفكر ولا نحلل، فالفقه الإسلامي كله اجتهادات عقلية، والاجتهادات تصيب وتخطئ، ومساحتها واسعة جدا، ورفض علماؤنا التعصب لمذاهب أو اجتهادات، وعارضوا الجمود الفكري والتقليد ، وبلغ من تشجيع الاجتهاد أن المجتهد المخطئ له أجر، فهل هناك تشجيع على العلم والتفكير والتأمل أكثر من ذلك ، وبلغ من تشجيع العلم والقراءة أن الله سبحانه وتعالى جعل العلماء هم ورثة الأنبياء، قال تعالى:"يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب" (269) سورة البقرة ، وقال تعالى"وقل رب زدني علما" (114) سورة طه. ونحن لا نتكلم عن الجانب النظري فقط بل ندعو للنظر في واقع المسلمين، وتحليله وهناك آيات كثيرة جدا في القرآن تدعو للعلم والتفكير والتأمل في مخلوقات الله والكون وواقع البشرالخ والمكتبة الإسلامية بها آلاف كثيرة من الكتب التي تثبت دور العقل والثقافة والعلم في حياة المسلمين، وأقرءوا إن شئتم في كتب ابن القيم أو أبي حامد الغزالى أو ابن الجوزى وغيرهم كثير جدا لتتعجبوا من ذكائهم وثقافتهم وحكمتهم وتنوع علومهم، ولكن مشكلة بعض العلمانيين أنهم لا يعرفون ثقافتنا وبديهيات الاجتهاد، ومع هذا يتهموننا بالجمود العقلي، فهل هم علميون حقا!!
3-الاختلاف الفكري: يرفض بعض العلمانيين تطبيق الشريعة الإسلامية لأن هناك فرق كثيرة ، واجتهادات مختلفة، وبالتالي فما الذي سيتم تطبيقه ؟ ونقول: إن المسلمين بشكل عام مع اختلاف فرقهم متفقون على قضايا كثيرة جدا، فطبقوها كما أن الأغلبية الساحقة من العرب هم من أهل السنة والجماعة، ولا توجد وحدة فكرية أكثر من ذلك، ولا توجد بينهم اختلافات أساسية، وأما الاختلافات الاجتهادية فهذا شئ طبيعي، وفى نفس الوقت الاختلاف بين العلمانيين هو في الأسس الفكرية فهناك علمانيون رأسماليون وهناك علمانيون اشتراكيون وهناك شيوعيون وهكذا وإذا قلنا للعلمانيين اجمعوا علماء الإسلام ليقرروا الصواب فيما لديكم فيه غموض ( إذا كان هناك شئ غامض ) قالوا من الذي يحدد علماء المسلمين لأن عندهم أن كل علماء المسلمين لا يصلحون! فهذا متطرف، وهذا رجعي، وهذا من وعاظ السلاطين، وهكذا، ونقول: علماء المسلمين الصادقون الواعون معروفون ويشهد لهم الناس ويثقون فيهم أكثر من ثقتهم بالعلمانيين.