2-لا يجوز أن يكون للمسلم عقائد واقتناعات تخالف آيات قرآنية وأحاديث نبوية كأن يقول أرى أن العلمانية لا تخالف الإسلام، أو أنا مع روح العقوبات الإسلامية لا حرفيتها ،أو أن الاجتهاد في الإسلام ليس له حدود وشروط، أو ضوابط أو غير ذلك، ومن البديهيات أن لكل علم علماءه والإسلام له علماؤه وهم الذين يفتون، أما أن يفتي من ليس بعالم فهذا من الجهل والعبث، ونذكر هنا أننا لا نخضع خضوعا أعمى لعلماء الإسلام لأن العلماء يستشهدون بآيات وأحاديث في بيان حكم الشرع، ويعترض البعض بأن يقول من هم العلماء المخلصون ؟ ومن يحددهم ؟ وأقول: كبار علمائنا معروفون قديما وحديثا، وهم من شهد لهم العلماء بإخلاصهم وعلمهم، منهم الأئمة الأربعة، وابن القيم، وابن باز وكثير من علماء عصرنا، والبعض يريد أن يلغي الدين بحجة أنه لا يوجد علماء يعترف بهم ،إذن هل سيتكلم القرآن والأحاديث ما دام هؤلاء لا يثقون في العلماء، فالتقليل من مكانة العلماء وعلمهم وإخلاصهم مرفوض، قال تعالى:"إنما يخشى الله من عباده العلماء" (28) سورة فاطر، وكان ولازال علماؤنا يجتهدون في تعلم العلم، وفي التكلم فيه، لأنه أمانة عظيمة، ولنتذكر لو أفتى أحدنا في الطب ناهيك عن مخالفة الأطباء لأتهم سريعا بالجهل، فلماذا يكون الدين هو المجال الذي يتجرأ على الحديث فيه العلمانيون ولا نجد من يردعهم ؟!.
3-يظن البعض أن علماء الإسلام يقيدوننا ويمنعون العقل من الاجتهاد والتفكير، وهذا الاتهام ليس بصحيح، فعلماء الإسلام كالخبراء الدستوريين، فهم يحمون الشريعة من العبث والتأويلات الخاطئة، وعلماء الإسلام لا يمنعون العقل من البحث العلمي في مختلف مجالات العلوم والهندسة، ولا يعارضون الدراسات الاقتصادية والإدارية وخطط التنمية، ولا يمنعون القصة الهادفة، ولا يعارضون الشعر الجميل، ولا يرفضون الاجتهادات في الدين، ومن المعروف أن حجم الاجتهاد كبير جدا، فلا يوجد عقل إسلامي مقيد، والعقول المقيدة هي التي تريد الطعن في الذات الإلهية، أو الأنبياء، أو تلك التي تريد أن تستخدم الكلمات البذيئة، والجنسية، وما شابه ذلك، وما أقوله يشهد له واقعنا، وأعطوني أمثلة عن وقوف علماء الإسلام ضد إبداع عقلي سياسي، أو اقتصادي، أو تكنولوجي، أو إداري، أو غير ذلك مما يفيد الناس، ولا نريد اتهامات بدون أدلة كما هي عادة العلمانيين.
4-يتعامل العلمانيون بانتقائية في تعاملهم مع الإسلام، فيأخذون منه ما شاءوا، ويدعون ما شاءوا، فما وافق عقولهم أو مصالحهم أو أهواءهم أخذوه، وما خالفها تركوه، وكذلك يفعلون مع الاجتهادات والآراء الإسلامية، فتجدهم يمدحون الاجتهاد الخاطئ كرأي الشيخ على عبد الرازق قبل قرن، والذي قال بأن الإسلام دين وليس دولة، ويرفضون آيات وأحاديث تثبت خطأ هذا الرأي، ويرفضون اجتهادات مئات من علماء الإسلام، ونقول تتبع الاستثناءات والحالات الشاذة ليس من الموضوعية والحكم على صواب عقائد وأحكام لا يكون بالنظر العقلي المباشر لكل جزئية فكرية لأن الجزئيات كثيرة جدا، بل بالحكم على صواب أو خطأ القواعد"الأصول"الفكرية، ونذكر بأن الانتقائية يستخدمها العلمانيون كثيرا فتراهم يسلطون الأضواء على إيجابيات الغرب لا سلبياته، وعلى سلبيات واقعنا بحكوماته وجماعاته وأحزابه وأفراده، ويتجاهلون إيجابياتنا مع أنها كثيرة.
5-أقول وأكرر وبصوت عال هناك اجتهادات خاطئة لعلماء ولجماعات إسلامية وخاصة في الموقف من الديمقراطية، والأحزاب، والعلاقة مع غير المسلمين، والفهم لبعض قضايا الواقع السياسي، وقد شاهدنا مواقف خاطئة أو متخاذلة وضعيفة من قضايا سياسية واجتماعية كالاستبداد والظلم وحرية الرأي والتعصب العرقي، ونحن نطالب الملتزمين بالإسلام بالتطبيق الصحيح للإسلام، وفي المقابل وجدنا مواقف طيبة ومشرفة من العلمانيين والمتأثرين بالعلمانية في بعض القضايا السياسية والاجتماعية، وخاصة حرية الرأي والديمقراطية، والموقف من الأقليات، ومن الخطأ أن يكون موقف العلمانيين والمتأثرين بالعلمانية من الإسلام هو رد فعل لانحرافات لدى بعض الجماعات الإسلامية أو الاجتهادات الخاطئة لعلماء، وأقول الإسلام مع أن تكون الشورى ملزمة، ومع حرية الرأي العاقلة، وحقوق الأقليات ، وتشجيع القطاع الخاص، والانفتاح على الآخرين ....الخ وتمسكنا بالإسلام هو الطريق لتقليل الانحرافات داخل الاتجاه الإسلامي وخارجه، ولا يوجد طريق آخر قال تعالى:"أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نور يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون" (122) سورة الأنعام.
6-أقول للعلمانيين من العرب إذا كنتم تريدون حقا الإسلام الصحيح فطريقه معروف، وهو موجود في القرآن والسنة، وهو علم له علماؤه وليس مقبولا لا عقلا ولا شرعا ولا منطقا أن تحددوا أنتم ملامح الإسلام وحدوده وعلاقته بالدولة والحياة، كما أن ليس من الأخلاق العلمية أن يتم التعامل مع علم الإسلام من باب التشويه والكذب والنفاق والخداع بإعلان إيمانكم بالإسلام وأخفاء كفركم به لأن في هذا خداع للناس، ولأن الكذب والنفاق من أسوأ الصفات ولا يقبل في مجال المبادئ والعقائد كذب وابتعدوا عن صناعة إسلام علماني فالإسلام أكبر وأقوى بكثير مما تظنون لأن الله سبحانه وتعالى ناصره قال تعالى"إنا نحن نزلنا الذكر وأنا له لحافظون" (90) سورة الحجر.
مشكلة الشرع والعقل
اين ينتهي الشرع؟ وأين يبدأ العقل؟ سؤال خاطئ وإجابته ستكون خاطئة. هذا السؤال فلسفي وبيزنطي وتفلسف لا معنى له. فالشرع هو النور والعقل هو البصر فأين ينتهي النور؟ وأين يبدأ البصر؟ هذا السؤال فلسفي لأن المطلوب أن تبصر وتسير في طريقك لا أن تقف وتفكر بمشكلة غير موجودة. فبالعقل والأدلة العقلية عرفنا أن وجود الله سبحانه وتعالى حق وأن محمدًا رسول الله وسنحتاج للعقل حتى نفهم القرآن والسنة وسنحتاجه حتى نفهم الواقع والمخلوقات والكون وحتى نجتهد في أمور ديننا ودنيانا. فلا يوجد مشكلة أو صراع أو تناقض بين الدين والعقل حتى نضع لهما حدودًا دولية لكي لا يعتدي طرف على الآخر ما نقوله هو شيء مطبق عند ملايين المسلمين الملتزمين فلا توجد في حياتهم العقائدية أو السياسية أو الاجتماعية أو الشخصية أو الاقتصادية مشكلة بين الدين والعقل أو الدين والدولة هم يتعلمون ويعملون ويتاجرون ويصنعون ويتزوجون ويضحكون ويعيشون من المهد الى اللحد بدون أن يواجهوا يومًا مشكلة اسمها أين ينتهي الدين؟ وأين يبدأ العقل؟ ولكن العلمانيين أو من تأثر بهم يغرقون في ما لا يغرق فيه ويعيشون في مشاكل وهمية وهذا شيء طبيعي لأنهم أبناء الفلاسفة الذين من طبيعتهم الجدل والكلام الكثير والعمل القليل والظن بأن الإسلام يقدم النقل (القرآن والسنة) على العقل ظن صحيح ولكن ليس معنى ذلك وجود تعارض بينهما فالعقل هو الذي وصلنا به لوجود الله سبحانه وتعالى وصدق النبي صلى الله عليه وسلم وبالتالي فإن كل ما في القرآن والسنة صحيح عقليًا فكيف يأتي بعد ذلك العقل ليقول يوجد تعارض بيني وبين آية قرآنية ولا يمكن أن تأتي حقائق مادية جديدة لتعارض حقيقة قرآنية فالحقائق لا تتناقض فالخلل سيكون في فهمنا للحقيقة القرآنية أو للحقيقة الفكرية أو المادية الجديدة قال الإمام الغزالي"إن أهل السنة قد تحققوا أن لا معاندة بين الشرع المنقول والحق المعقول" (1) .
(1) ص25 سقوط الغلو العلماني د. محمد عمارة