فهرس الكتاب

الصفحة 502 من 3028

نحن نتفق مع العلمانيين في أن هناك جماعات إسلامية متطرفة بعيدة عن الفهم الصحيح للإسلام، والفهم الصحيح للواقع،ونحن نتفق معهم على أن هناك استبداد كبير في كثير من الدول الإسلامية، وان تطبيق الشورى بصورة صحيحة ضرورة لابد منها، وأن المشاركة الشعبية من أساسيات الإسلام ، والحياة ، وان سلبيات الاستبداد كثيرة وكبيرة، ونحن نتفق مع العلمانيين على ضرورة إنصاف الأقليات الدينية والعرقية، وعلى ضرورة إنصاف المرأة ، ونحن نتفق معهم على أهمية الدفاع القوي عن حقوق الإنسان وجعلها على رأس الأولويات، ونحن نتفق معهم على مساحات شاسعة من حرية الرأي والتنظيم والعمل الجماعي، ونحن نتفق مع العلمانيين على أهمية دور القطاع الخاص في بناء التنمية، ونحن نتفق معهم على رفض الدولة الدينية بالمفهوم الغربي قال الدكتور يوسف القرضاوي والدكتور أحمد العسال:"الأمة الإسلامية هي الحاكمة، وهي صاحبة السلطة ، هي التي تختار حاكمها وهى التي تشير عليه، وهى التي تنصح له ، وتعينه ، وهى التي تعزله إذا انحرف أو جار، والخليفة في الإسلام ليس نائبًا عن الله ، ولا وكيلًا له في الأرض إنما هو وكيل الأمة، ونائب عنها" (1) . ونحن نتفق معهم على أهمية التعليم والبحث العلمي والإبداع الفكري والتطوير الإداري والتكنولوجي واتباع الأسلوب العلمي في معالجة مشاكلنا، ونحن لسنا ضد الانفتاح على الغرب والشرق والشمال والجنوب والاستفادة من النجاحات التي حققوها والتعلم منها وتطبيقها في بلادنا سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو إدارية، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، ونحن نؤيدهم في ضرورة الحفاظ على الوحدة الوطنية، ونحن مع الوسطية والاعتدال والتسامح والواقعية والاجتهاد العقلاني.

(1) ص26 أوهام العلمانية حول الرسالة والمنهج . د . توفيق الواعي .

ونحن نتفق معهم على أن حجم الصدق والحرية والشورى والعدل والالتزام بالقانون في الدول الغربية أفضل مما هو في الغالبية من ديار العرب والمسلمين فقد قال الشيخ محمد عبده رحمه الله قبل قرن عندما زار أوربا:"وجدت الإسلام ولم أجد المسلمين و وجدت هنا المسلمين ولم أجد الإسلام"فالتطبيق العملي للإسلام ضعيف في واقعنا، وذلك لأن الإيمان ضعيف أو مفقود في كثير ممن نسميهم المسلمين، ولهذا نجد ألوانا من الاستبداد، والنفاق، والعصبيات العرقية، والتبذير، والكسل الخ مما يساهم في إعطاء صورة سيئة عن الإسلام، والمسلمين.

ولكننا نختلف مع العلمانيين في رغبتهم في الابتعاد عن الله سبحانه وتعالى ومعرفته وطاعته وعبادته، ولا نعتبر هذه القضايا ثانوية أو شخصية بل لطاعة الله وعبادته خلقنا، ونحن نريد أن نسير على طريق الأنبياء والمؤمنين لا الفلاسفة والملحدين، ونحن نريد أن نكون من أهل القرآن والسنه والصلاه لعلمنا أن فيها سعادتنا في الدنيا والآخرة، ونحن نختلف مع العلمانيين في فهمنا للحياة وما فيها من أحداث، فنحن نفهمها على أسس من الحقائق الفكرية، والمادية، ولا نرى الأمور بالموازين المادية فقط لأننا نعلم أن للذنوب والمعاصي والشرك آثار دنيوية وأخروية سيئة ، وصلاح الحياة في محبة الله وطاعته والخوف منه وفى اتخاذ الرسول صلي الله عليه وسلم قدوة، ونعلم أن للأخلاق دورا كبيرا فالتواضع والوفاء والصدق والكرم وصلة الرحم والحلم ... الخ صفات عظيمة من الضروري أن نهتم بها، ونتدرب عليها ونحن نعلم أن معرفة الله سبحانه وتعالى والقرب منه أهم من معرفة أمريكا والجري وراء المال والشهوات. ونحن عرفنا عقائد العلمانية بكافة مدارسها، وكذلك العقائد الدينية، فآمنا بالإسلام لأنه الدين الصحيح، فنحن جيل رأى المدارس الفكرية تختلف أمامه، وتعرض بضائعها فلسنا سطحيين أو ساذجين أو رجعيين .قال تعالى"أفمن يمشي مكبًا على وجهه أهدى أمن يمشي سويًا على صراط مستقيم (22) سورة الملك وقال تعالى:"قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين (108) سورة يوسف.

نحن نقبل الآخرين

أهديت كتابي"عجز العقل العلماني"لأحد الأخوة المدافعين عن العلمانية وكتب لي بعد أن قرأ القسم الأكبر منه ملاحظات مختصرة أحببت أن أعلق عليها لأن القضية عامة وليست شخصية وأكرر دعوة قلتها قبل عدة سنوات وهي ضرورة أن يكون هناك حوارات علمية بين الإسلاميين والليبراليين فأحد أسباب مشاكلنا أننا لا نتحاور بل نتبادل الاتهامات وسأذكر هنا بعض ملاحظاته ووجهة نظري لعل يكون فيها فائدة:-

1-قال الأخ الليبرالي"واضح أن لديك موقف مبدئيا ومسبقا مما تسميه"علمانية"، وأن همك الأساسي هو إثبات خطأ هذه"العلمانية"، وأقول هذه العبارة تعطي انطباعا بأنني حكمت على العلمانية قبل أن أدرسها وأفهمها، وأقول موقفي المعارض جاء بعد أن قرأت ما كتب أصحابها وخصومها، واقتنعت بخطرها وضررها على البشر فلا يوجد في نقدي لها اندفاع عاطفي أو وراثي أو تقليد لعالم، والأهم من ذلك أنني أنتقدها بناء على أدلة عقلية، وبناء على ما قاله أصحابها قبل أعدائها واستندت إلى العقل والمنطق والمراجع، وهنا يجب أن يكون النقاش بين المخلصين، ولا فائدة من النظر إلى أمور أخرى كالموقف المسبق أو المتأخر."

2-قال الأخ الليبرالي:"لماذا أنت معني بإثبات خطأ العلمانية ، أليس في إمكانك ترويج بضاعتك دون ذم بضاعة الآخرين"وأقول أنا مهتم بإثبات خطأ العلمانية لأنها"مرض"يتلف العقول، فيشوه لها مفاهيم الحرية والعدل والمساواة والعبادة الخ وقد ذكرت سلبيات العلمانية في كتابي، ولو قرأت الكتاب بتركيز لما سألت هذا السؤال ؟ أما بالنسبة لذم بضاعة الآخرين فما فعلته ليس سوء أدب مني بل هو واجب إنساني ليعرف الناس البضائع الفكرية الفاسدة، فيتجنبوها، والحوار العلمي يتطلب بيان صواب مبادئك، وكذلك إثبات خطأ مبادئ الآخرين، فنحن لا نتكلم عن غيبة ونميمة أو ذم بضاعة تجارية، والغريب أن صاحبنا الليبرالي من المؤيدين للنقد، فكيف يتناقض هنا مع مبادئه ؟ وأي حرية رأي ستوجد إذا كان النقد ممنوعا؟ والأكثر غرابة أن العلمانية قائمة على الجدل والنقد واتهام الآخرين بالحق والباطل وآخر ما يتوقع من أصحابها والمتأثرين بها أن يطالبوك بأن لا تنتقدهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت