ومبدأ النقد والتفكير والتحليل هو في البداية كما فعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث كان يبحث عن حقيقة الخالق، فلما اقتنع عقليا بذلك حسم الموضوع بالنسبة له، وهذا ينطبق على حقائق القرآن والسنة، أما عدا ذلك فهو خاضع للنقد والحوار فلا يوجد شئ مقدس غير الحقائق الفكرية، ولا قدسية للأفراد والدول والحكومات والتاريخ والواقع والتقاليد، ومجال الاجتهاد واسع جدا، وهناك أيضا اجتهادات ضمن ضوابط في تفسير القرآن والسنة. ومن المعروف أن الإسلام دين واقعي عملي يتجه نحو العمل والإنتاج، ولا يحب الكلام الكثير والجدل في حين أن الفلسفة جعلت همها الجدل والافتراض، والظن ويختصر الإسلام النقاش الجذري في قضيتين وجود الله سبحانه وتعالى وصدق محمد صلى الله عليه وسلم، فمن آمن بهما بالأدلة العقلية فقد وفر على نفسه النقاش في بقية الحقائق الفكرية لأن ما بني على صواب فهو صواب، أما من لم يؤمن بهما فسينافش كل جزئية أساسية فكرية كالحرية، أو توزيع الميراث، أو الحقوق الزوجية، وآلاف القضايا الأخرى، والاهم من ذلك انه لن يصل بالتأكيد إلي يقين وأدلة عقلية قاطعة، إن توزيع الميراث بهذه الطريقة أو تلك هو الحق والصواب أو أن الحرية الحقيقية هي كذا وكذا، وهذه هي الحفرة العظيمة التي سقط بها الفلاسفة والعلمانيون، فاختلفوا حول كل شئ لاستحالة الوصول للحقائق الفكرية من خلال التفكير العقلي العلماني.
6-ليس صحيحا أن الله سبحانه وتعالى تركنا بلا حقائق فكرية، أو أن هناك صعوبات كبيرة في الوصول إليها أو أن الطريق إليها معقد وصعب، بل الأمور واضحة، وهي ما جاء به الأنبياء والكتب السماوية. قال ابن تيمية: (إن المطلوب كلما كان الناس إلى معرفته أحوج يسر الله على عقول الناس معرفة أدلته، فأدلة إثبات الصانع وتوحيده وإعلامه وأدلته كثيرة جدا، وطرق الناس في معرفتها كثيرة، وكثير من الطرق لا يحتاج إليه أكثر الناس، وإنما يحتاج إليه من لم يعرف غيره، أو من أعرض عن غيره.) (1)
(1) ص 213 رجال الفكر والدعوة في الإسلام ج2 أبو الحسن الندوي.
العلمانيون وكارثة الاختلاف
من المزايا التي يظن العلمانيون"الديمقراطيون"أنهم يتميزون بها أن تجمعاتهم الفكرية والسياسية قائمة على اختلاف وجهات النظر، وأن لديهم استعدادا لتقبل كل الآراء ومناقشتها، ولا يشعرون بحساسية من ممارسة"فضيلة"الاختلاف، وأن لا مانع عندهم أن يكون قادتهم مسلمين أو مسيحيين أو زنادقة أو غير ذلك، ويظنون أن ما يفعلونه هو الحرية والديمقراطية والمساواة الحقيقية، ونقول لهؤلاء ما يلي:-
1-من الخطأ أن يقوم البناء الفكري للدولة أو الحزب أو الفرد على"قاعدة الاختلاف"لأن هذا معناه لا يوجد بناء فكري أصلا، أو في أحسن الأحوال توجد مفاهيم فكرية قليلة كالإيمان بحرية الرأي، والديمقراطية، والبناء الفكري أكبر من ذلك بكثير جدا، فهو عقائد وأحكام وأخلاق كثيرة جدا وبكلمات أخرى الفكر الصحيح هو المبادئ الصحيحة التي تجعل الإنسان راقيا في عقائده وأعماله وأقواله ومعاملاته، فلا يمكن تجاهل أهمية الفكر ناهيك عن إلغائها، والفكر هو الخريطة التي يقوم على أساسها بناء ضخم يتم فيه تحديد أدواره وحجراته ومرافقه وعلاقته بعضها بالبعض، فكيف نظن أننا سنبني بناء بلا خريطة ؟ ونظن أننا قادرون على إنشاء هذا البناء الضخم بالاستمرار في مناقشة بعض الأمور المتعلقة به، والتفاعل مع الواقع بحسب الأحداث والقضايا المطروحة ، إننا إذا لم نعرف حقائق"مبادئ"الهندسة المدنية فلن نستطيع أبدا إنجاز البناء مهما توفر لنا من مواد وعمال وأموال و"مثقفين"، والأشد جهلا من ذلك هو الظن بأنه لا يوجد علم للهندسة، وكلها أراء، فالاختلاف حول أنواع المواد أراء، والاختلاف حول درجة تحمل الطوابق أراء، والاختلاف حول الأولويات في البناء أراء، والاختلاف حول التوصيلات الكهربائية أراء وكلها سيتم حسمها بالتصويت إن المهندسين يرفضون هذه الاقتناعات، بل الخرافات، ويتمسكون بالحقائق الهندسية، وهذا التمسك ليس تشددا وتعصبا وانغلاقا وتغييبا للعقل وتدميرا للحوار وحرية الرأي كما يتهم العلمانيون الإسلاميين بذلك إذا تمسكوا بمبادئهم الإسلامية .
2-كان الواجب على العلمانيين أن يقولوا أيها الناس نحن نجهل ما هي المبادئ الصحيحة، وأين الحق والصواب ، وأين الباطل والخطأ في الأديان والعقائد العلمانية؟ فنحن لا زلنا في مرحلة النقاش والاختلاف، وبالتالي فنحن لسنا قادرين على معرفة كيف نبني دولة أو فرد ؟ ولكنهم لم يفعلوا ذلك، بل قالوا لنجتمع ونتناقش ونحكم على الأمور بالأغلبية، فإذا اتفقنا أن البناء لا يحتاج حديدا فلنفعل ذلك ، وإذا صوتت الأغلبية على أنه لا يوجد داع لربط الأسلاك الكهربائية فلننفذ ذلك والمشكلة أن الجهل في مجال الهندسة سيظهر فورا إذا كان جهلا أساسيا في حين أن الحياة البشرية تسير بأنظمة رأسمالية أو شيوعية أو يهودية مهما كان فيها من شقاء وتعاسة، ولاشك أن الإسلام هو المنبع الصافي للحقائق الفكرية، وكلما زادت معرفتنا به وتمسكنا كلما زاد نصيبنا من السعادة، وفي نفس الوقت كلما جهلناه حتى ولو كنا مسلمين فقد أصابنا الشقاء بمقدار جهلنا، وكذلك لن يفيدنا معرفتنا بالحقائق الإسلامية إذا لم نتمسك بها، قال تعالى:"مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين". (5) سورة الجمعة.
3 -من المعروف أن في علم الكيمياء أو الفيزياء حقائق كثيرة ، وعلاقات وتكامل، والتكامل يوجد في كثير من العقائد الدينية والشيوعية، أي توجد شمولية وترابط بين العقائد والأحكام والأخلاق، أما في الذين يبنون بنيانهم على"الاختلاف"ثم التصويت فلا يوجد شمولية، ولا يوجد تكامل بين"مبادئهم"وقوانينهم، لأنه لا يوجد فهم مشترك لخالق الكون والإنسان والحياة، ولا يوجد وسيلة لربط الاقتصاد بالأخلاق والمعاملات بالسياسة، وقد يتجاهلوا قضايا كثيرة ، وما لا يدخل ضمن القوانين لا علاقة لهم بها، ولو تأمل الإنسان العاقل لوجد أن القسم الأكبر من المبادئ لا علاقة لها بالقوانين فالمواقف الشجاعة والعزة والكرامة والتعامل مع الناس والأمور التربوية لا علاقة لها بالقوانين والاجتهاد الصادق في العمل والعلم، والتعليم لا علاقة له بالقوانين، والانحرافات الأخلاقية بما فيها الخيانة الزوجية فإنه لا علاقة لها بالقوانين، وكذلك النفاق والكذب والحسد والأنانية ....الخ فمبادئنا هي التي تحدد موقفنا من الأحداث، وهذه أمور يجب أن نحدد فيها الحق من الباطل بالعقل والأدلة العقلية، لا من خلال التصويت بكلمات أخرى الوصول للحقائق المادية في الهندسة وغيرها، تم بناء على إثباتات عقلية وليس بالتصويت، وكذلك الأمر في المبادئ الفكرية فالديمقراطية والتصويت يصلحان للقضايا الاجتهادية لا الأساسية فالعلم والعقل والحكمة أرقى من التصويت والحقيقة تبقى حقيقة حتى ولو اعتبرها شعب ما بأنها خطأ بنسبة 100% وإذا كان أعضاء المجلس النيابي يتناقشون وليس لديهم فهم صحيح لهندسة الفرد والمجتمع كما يفعل الديمقراطيون العلمانيون فإن حوارهم ليس علميا ولا عقلانيا، بل جدل يتم حسمه بالتصويت لأن دور العلم والعقل فيه ضعيف، والدور الأكبر للجهل (الآراء) والقوة (الأغلبية) .