4-إذا كان أحد أهداف العلمانية الخروج من"الاختلاف"بين الإسلام والمسيحية فهي أقامت بنيانها كله على"الاختلاف"، وهناك اتفاق كبير بين المسلمين والمسيحيين في قضايا كثيرة مثل وجود الخالق، وكثير من صفاته وأسمائه، وعلى وجود جنة ونار، وعلى الأخلاق الفاضلة. ...الخ في حين أن العلمانيين مختلفون حول كل شئ، فمنهم من يؤمن بوجود الله، ومنهم من ينفيه، ومنهم الرأسمالي والاشتراكي والشيوعي الخ وبالتالي فالصراع بينهم كبير وجذري فإذا كان المسلمون والمسيحيون مختلفين فالعلمانيون أشد اختلافا ،وتفرقا، فهم هربوا من الرمضاء وأشعلوا النار تحت أرجلهم ، ولا شك أن الاختلاف يفسد للود ألف قضية إذا كان اختلافا جذريا، بل إن بعض الاختلافات الاجتهادية"في الفروع"تفسد للود ألف قضية، فقيام البناء العلماني على الاختلاف كارثة، وليس ميزة، وقام الإسلام بحسم الاختلافات الجذرية، وبترشيد الاختلافات الاجتهادية، ومن بديهيات العقل أن الاتفاق في العقائد والشرائع و"الاجتهادات"يولد التقارب والتعاون والقوة والوحدة، وأن الاختلاف يولد التنافر والتنازع والتفرق والصراع والضعف، فمن الصعب بل المستحيل الوصول إلى اتفاق وتفاهم مع من نختلف معهم فكريا، وسياسيا، وأنا أتكلم هنا عن القاعدة لا الاستثناء لأن هناك اتفاقات جزئية، فكيف يقتنع العلمانيون بأن اختلافهم حضارة ورقي وتطور عقلي؟ وقد يقول قائل بأن العلمانيين يعتبرون اقتناعاتهم أراء وليس حقائق كما يفعل المسلم والمسيحي، ونقول الاختلاف الأساسي خطر حتى لو لم يتعصب له أفراده قال تعالى"مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون" (41) سورة العنكبوت ونضيف لذلك أن المسلمين عندما يجتمعون فلأنهم حددوا ما هي"حقائقهم الفكرية"، وكذلك المسيحيون والشيوعيون فعقولهم وصلت إلى"شئ"فكيف يكون أكثر تطورا"عقليا"من يقول أن ما عندنا أراء متناقضة وسنحسمها بالتصويت ولا ندري إلى أين سنصل؟
5-لا يعني الالتزام بالحقائق الفكرية الإسلامية رفض الآخرين فكريا وسياسيا واجتماعيا، بل معناه الحقائق الفكرية مقدسة، وفيها مساحة كبيرة جدا لحرية الرأي، وللاجتهادات العقلية، وللتمثيل السياسي لغير المسلمين، ولحقوق الإنسان، ونعلم أن هناك اقتناعات خاطئة عند بعض المسلمين في تعاملهم مع غير المسلمين، ونطالب المسلمين دولا وجماعات وأفرادا بوضع نظم سياسية واجتماعية تثبت سماحة الإسلام، وتدافع عن الحقوق السياسية للأقليات في الدول الإسلامية وتوضح حدود وضوابط حرية الرأي . ولو أخذنا حرية الرأي الإسلامية لوجدنا أنها تسمح بانتقاد حكام وحكومات ودول ومواقف وعلماء الإسلام بل أكثر من ذلك يدعو الإسلام إلى حوار عقلي وعلمي حول القضايا العقائدية بين جميع البشر، والحرية الإسلامية ضد الكذب والتجريح والسخرية ، وما ندعو له واضح في القرآن الكريم، وفي سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأي إنسان عاقل لا يريد حرية أكثر من ذلك ؟ لأن أكثر من ذلك يفتح الأبواب للفساد الأخلاقي ،وللفتن، وللسفهاء، والمتطرفين،والمرتزقة !!.
6-كتبنا وقلنا مرارا بأن الديمقراطية هي جزء من نظام، وليست نظاما فالديمقراطية تعني حكم الأغلبية، وحقوق الأقلية، وحرية الرأي والنظام هو عقائد ومبادئ وأحكام تضع الأسس، وأحيانا التفاصيل العقائدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ، فالصحيح أن يقال النظام العلماني مقابل النظام الإسلامي لأنه لا يوجد"نظام"ديمقراطي، والنظام الإسلامي يقبل بالديمقراطية بل هي جزء لا يتجزأ منه لأن الشورى ملزمة ولكن هذا لا يعني أن الديمقراطية الأمريكية هي النموذج الذي يحتذي به فالديمقراطية العاقلة هي ديمقراطية أهل الوعي والخبرة والإخلاص وليست الديمقراطية التي يتحكم فيها المال والدعاية والعصبيات الحزبية والطبقية والعرقية، والنظام الغربي نظام علماني يتبنى الديمقراطية، وتوجد أنظمة علمانية ليست ديمقراطية، والنظام الإسلامي يجب أن يكون ديمقراطيا وإلا فهو نظام ناقص أو مشوه فالآية القرآنية واضحة ، قال الله تعالى:"وأمرهم شورى بينهم"وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم واضحة، وارجعوا إن شئتم إلى كتاب الشورى وأثرها في الديمقراطية للدكتور عبد الحميد الأنصاري لتقتنعوا أن الشورى ملزمة في الإسلام .
العلمانية كفر وزندقة
لم يصل العقل العلماني إلى فكر محدد هو الحق والصواب، بل أنتج فلسفات وعقائد كثيرة متناقضة كالرأسمالية، والاشتراكية، والشيوعية، والنازية ، والوجودية.. الخ وهذه كلها عقائد مخالفة للإسلام ،ومناهج متعارضة معه ،أي هي عقائد الكفر والشرك والضلال، قال تعالي"فذالكم الله ربكم الحق فما بعد الحق إلا الضلال فأني تصرفون"32 سورة يونس"فكل العقائد غير الدينية مقبولة عند العلمانيين من الشيوعية إلى الرأسمالية وما بينهما، وكل العقائد الدينية مرفوضة سواء كانت إسلاما أو مسيحية؛ فالعلمانية هي اللادينية ،أي هي المبادئ المناقضة للأديان السماوية، فهل بعد هذا كفر وتمرد على الله سبحانه وتعالى ورسله وكتبه، قال تعالى"ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه" (130) سورة البقرة ومن المعروف أن المبادئ التي أنتجتها العلمانية تتخذ مواقف معادية للأديان، وخاصة الإسلام فهي تريد تدميره، أو على الأقل حبسه وعزله عن الدولة والحياه السياسية، بل عن كل جوانب الحياة، وهذا واقع مشاهد، فهي ضد الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية، وهي مع فصل الدين عن الدولة، وهي ضد كثير من العقائد والأخلاق الإسلامية! فالعلمانية هي الكفر والشرك واليكم الادله:"
1-قال تعالي"ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون (18) إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئًا وان الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولى المتقين" (19) سورة الجاثية .
2-قال تعالى"ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم أمنوا بما انزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالًا بعيدًا (60) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودًا (61) "سورة النساء
3 -وقال تعالى"أفتومنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون" (85) سورة البقرة .
4-قال تعالي"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا" (65) سورة النساء قال بن كثير رحمه الله: (يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة انه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/520 ص 28 تحكيم الشريعة ودعاوي العلمانية د . صلاح الصاوي