فهرس الكتاب

الصفحة 496 من 3028

نحن نريد أن نبني حياتنا على العلم والنور والحكمة، أي الحق والصواب، وأدلتنا كمسلمين باختصار شديد هو أنه ثبت بالأدلة العقلية العلمية وجود الله سبحانه وتعالى، وصدق محمد صلى الله عليه وسلم، فما هي الأدلة العقلية العلمية على صواب الليبرالية أو العلمانية الرأسمالية، الطريف والغريب أنه لا يوجد دليل واحد على صوابها بعكس الشيوعية التي حاولت أن تستند إلى العلم والعقل من خلال نظرية التطور لدارون أو الحتمية التاريخية وهي ليست بالطبع أدلة علمية بل تخريف الفلاسفة. فالليبرالية قائمة على مبدأ لنبتعد عن الدين المسيحي لأنه في اعتقادهم خطأ، وهذا ليس دليلا على أن الليبرالية حق وصواب. ولا نختلف معهم في أنه حدث للمسيحية بعض التحريف، وهناك اجتهادات خاطئة للكنيسة، وقد يعتبر البعض أن النجاح المادي والتكنولوجي وحتى السياسي الذي حققته أمريكا وبريطانيا وهولندا دليل على صواب الليبرالية، ونقول هذا ظن وخلط لأوراق تكنولوجية في قضايا فكرية، لأنه يمكن أن نقول بناء على ذلك أن الإسلام ساهم في بناء عدة دول عظمى كانت قوية، وغنية وكذلك الشيوعية قامت عليها الصين وروسيا، وهم دول عظمى وحتى لا يتعب الليبراليون أنفسهم نقول إن الليبرالية الرأسمالية قائمة على آراء الفلاسفة الذين يعترفون بأن ما لديهم إنما هو آراء ونظريات، وليست حقائق أي علم، وقائمة على الأهداف والشعارات، وقائمة على الجدل والتناقض، وقائمة على الحلول الوسط للقضايا المختلف حولها، أي عجز العقل العلماني في الوصول للحقائق والعلم والنور والحكمة جعلهم يلجئون للتصويت والحلول الوسط، والتجاهل والتأجيل، والظن والآراء، فهم لم يعد يهمهم أين الحق في القضايا العقائدية والتشريعية؟ بل أصبحت الأمور عندهم نسبية، وأصبحت حياتهم تدور حول المال والمصالح والشهوات فأغلبهم يؤمنون بوجود الله سبحانه وتعالى ولكنهم لا يعبدونه ولا يطيعونه"حل وسط"وهم ليسوا مع الدين، ولا ضده ، ولا مع آراء هذا الفيلسوف، ولا ضده، وهم ليسوا ضد العقائد الباطلة لأنهم يؤمنون"بحرية العقيدة"وليسوا ضد الفساد الأخلاقي لأنهم يؤمنون"بالحرية الشخصية"أي حقيقتهم أنهم بلا مبادئ محددة يدافعون عنها إلا في مجالات محدودة، أي أن الغالبية الساحقة من حياتهم لا تخضع إلى المبادئ لأنها عندهم آراء وحريات شخصية، وقضايا فلسفية، وما وراء الطبيعة، وكلها في ظنهم لا تستحق أن يكون لهم فيها مبادئ وموقف، وهذا قمة الجهل والباطل والضياع، والعجز وهذا خذلان للعلم والعقل، ومع هذا يظنون أنهم أهل العقل والحكمة قال تعالى:"ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا" (72) سورة الإسراء.

(4) أتمنى فعلا أن نحتكم إلى الشعب"باعتباره في العلمانية الرأسمالية مصدر التشريع"لأن هذه حرية نؤمن بها، وأتمنى أن يقوم العلمانيون باستفتاء للشعوب العربية والمسلمة على سؤال واحد هو:أتريدون الإسلام أم العلمانية والليبرالية؟ ونعلم أن النتيجة محسومة بنسبة أكبر من 90% للإسلام ومع هذا يصر الليبراليون، على اقتراح أنظمة ليبرالية لشعوب لا تؤمن بها وهذا أحد الأسباب الرئيسة لاستبداد الأنظمة والأحزاب العلمانية والمتأثرة بالعلمانية، سواء كانت يمينية أو يسارية لأنها إذا فتحت الباب للديمقراطية والحرية ستخسر الانتخابات والساحة الإعلامية والشعبية. ولو كان الليبراليون يلتزمون بالتعريف الذي ذكره الأخ خليل لفعلوا ذلك والحد الأدنى من الالتزام الأخلاقي يفرض عليهم ذلك إذا كانوا صادقين في مبادئهم، وأحيانا يقولون العلمانية لا تعارض الإسلام، وهذا جهل عظيم بالإسلام أو بالعلمانية أو بكليهما.

(5) يعرف الأخ خليل حيدر الليبرالية بأنها الحرية السياسية والاقتصادية وتداول السلطة والاحتكام إلى الشعب ...الخ وهذا في أغلبه تعريف يتكلم عن أهداف جميلة تشترك فيها أغلب العقائد والمبادئ والأيدلوجيات، لأن هدفها سعادة الإنسان وحريته وتحقيق العدل والمساواة، وحماية حقوق الإنسان، وهذه أهداف تسعى لها الأديان السماوية، وكذلك كل العقائد العلمانية بما فيها الشيوعية، وبالتالي لا يحق لليبرالية (العلمانية الرأسمالية) احتكار الأهداف الجميلة لأنه لا يوجد خلاف عليها أصلا، ومن يتبنون المبادئ بصدق هم مخلصون لمبادئهم وللبشرية، وإذا جردنا"الليبرالية"من هذا الاحتكار"يسقط"نصفها، أو بتعبير أكثر علمية يسقط أسلوب من أهم أساليب الخداع الذي مارسته الليبرالية عن جهل كشعارهم بأنهم مع الحرية والمساواة والعدل وحقوق الإنسان لأن الخلاف هو أي المبادئ والعقائد التي تحقق هذه الأمور أي ما هو التعريف الصحيح للحرية أو العدل، هل هو التعريف الشيوعي أو الرأسمالي أو الإسلامي أو البوذي ...الخ وما هي"الأدلة العلمية العقلية"التي تثبت أن هذا التعريف أو ذاك هو الصحيح.

(6) صحيح أن الليبرالية مع حكم الشعب والديمقراطية وحرية الرأي والقطاع الخاص وهي صادقة في ذلك، وطبقت ذلك دول غربية كأمريكا وبريطانيا إلا أن التزوير الليبرالي واضح في اتهام خصومه وخاصة الإسلام بأنهم أهل الاستبداد والديكتاتورية والجمود والظلام والخرافات الخ وهذه الاتهامات ليست صحيحة فنحن نؤمن بالشورى وطبقناها، ونحن نؤمن بحرية الرأي والاجتهاد ...الخ ولم يكتف الليبراليون بذلك بل شوهوا كثيرا من عقائد وأحكام الإسلام الأخرى، ومن المعروف أنه من السهل أن تشوه الآخرين خاصة إذا كنت ليبراليا أصيلا تستند إلى أراء الفلاسفة وجدلهم واتهاماتهم، ومن المعروف أنه حتى العمل الخيري يمكن تشويهه بالتشكيك في أهدافه ونواياه، أو باتهامه بأنه يشجع الفقراء على الكسل، فالليبرالية إذن تشوه خصومها بالباطل، وتوهم الناس بأن المبادئ الصحيحة كالديمقراطية وحرية الرأي وغيرهما لم تعرفها البشرية قبلها بل إن الأسوأ من ذلك أنها احتكرت العقل البشري كأن الأنبياء والصالحين والعقلاء في تاريخ البشرية كله لم يكونوا يعتمدون عقولهم مع أن المسلمين والمسيحيين واليهود يؤمنون بأن الأنبياء أكثر الناس عدلا ورحمة وحزما وأخلاقا وعبادة وأحكاما....الخ ولم يصلوا إلى هذا النور والعلم والحكمة إلا بمبادئ سماوية، وعقول مجتهدة وفى المقابل أغلب مفكري الليبرالية من أكثر الناس اختلافا وجدلا وقلقا وتعاسة وتقلبا وضياعا وحيرة وحماقة! فكيف يكون هؤلاء"أهل العقل"؟ إن الموازين فعلا مقلوبة، والبشرية مخدوعة، فالعلم والعقل ليس إذن مرتبطا بقراءة مئات الكتب أو تأليفها فكل أصحاب المبادئ السماوية والعلمانية يؤلفون ولكن المقياس هو كم فيها من حقائق وعلم وحكمة؟ وكم فيها من أراء وظنون؟.

(7) العلمانية الليبرالية الرأسمالية هي كارثة علمية وعقلية لأنها ليست مستندة إلى أدلة علمية فهي قائمة على عدة أسس منها:-

1-الدين المسيحي خطأ، ورجال الكنيسة منحرفون، كما حصل في أوربا في العصور الوسطى ونحن نتفق معهم في أن هناك تحريف للمسيحية وأن هناك بعض الاجتهادات الخاطئة لرجال الكنيسة ولكن هذا ليس دليلا على أن"الليبرالية"صحيحة فإذا أثبت أن المبدأ الآخر خطأ فليس هذا دليلا أن مبدأك صحيح ، بل قد يكون أسوأ منه. قال ابن تيمية: (وبنو آدم ضلالهم فيما جحدوه ونفوه بغير علم أكثر من ضلالهم فيما أثبتوه وصدقوا به، قال تعالى:"بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله"سورة يونس(39) (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت