فهرس الكتاب

الصفحة 494 من 3028

هذه الحقائق والمبادئ إلى منابعها وأصولها، فالشيوعية معتمدة على أسس من أهمها عدم وجود الله سبحانه وتعالى، فإذا ناقشنا وتعمقنا بالأدلة التي يقدمها المؤمنون بوجود الله من مسلمين ومسيحيين ويهود أو غيرهم وناقشنا كذلك الأدلة التي تنفى وجود الله ويقدمها الملحدون من شيوعيين وغيرهم نستطيع أن نصل إلى الحق والصواب، فإذا ثبت وجود الله سبحانه وتعالى تسقط الشيوعية كفكر، وإذا أثبتنا صدق الرسول محمد يكون الإسلام هو الدين الصحيح، ويكون الفكر الرأسمالي العلماني فكرا خاطئا لأنه إيمان ببعض الكتاب وكفر بالبعض الآخر، وهذا شئ خاطئ بناء على المعايير الإسلامية، والغريب فعلا أن الفكر الرأسمالي العلماني هو فكر ليس قائما على أدلة عقلية وهذا ليس بناء على ما يقوله أعداؤه بل أيضا هذا ما يقوله أهله، ففكرهم قائم على الآراء لا الحقائق، وعلى الظنون لا اليقين، فهو نظريات وآراء متناقضة لفلاسفة ومبادئهم وشرائعهم ليست مبنية على أدلة عقلية، بل على التصويت الشعبي فكلنا يعرف أن التصويت الشعبي سواء كان من خلال استفتاء، أو مجلس نيابي، ليس أساسا عقليا وعلميا، لأنه تتداخل فيه المصالح والأهواء والعصبيات والفهم الخاطئ والتحالفات وشراء الذمم المزايدات والتهديد الخ ومع هذا يعتبر التصويت الشعبي في الفكر الرأسمالي الغربي هو الميزان الرئيس لتحديد المبادئ والقوانين والقرارات، فهو فعلا كارثة علمية، ولكنه يعتبر خشبة أفضل من غيرها إذا تم مقارنتها بالغرق في بحر الأقلية والانفرادية، والفردية سواء كانت هذه الأقلية حاكما أو حزبا أو طبقة أو عرقا فالتصويت حل سياسي وليس علميا وهذه الخشبة ستكون متواضعة جدا إذا تم مقارنتها بالسفينة الإسلامية العملاقة التي تشق طريقها في الدنيا والآخرة على هدي من خالق الكون العظيم العليم الحكيم القوي الجبار قال تعالى:"أفمن يعلم أنما انزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب". ( سورة الرعد -13-) .

مبادئنا أو مبادئكم (2)

عرف أحد العلمانيين العلمانية"بأنها حيادية الدولة أمام الأديان، وهي تحقق المساواة الكاملة بين المواطنين ، ولا تفرق بينهم بسبب الدين، وتقول للمسلم والمسيحي واليهودي وغيرهم مارسوا شعائركم الدينية"وهذا التعريف هو تعريف جزئي وليس كاملا للعلمانية، ولكنه فيه كثير من معاني العلمانية، وتعليقي عليه هو كالآتي:

1-ليس صحيحا إطلاقًا أن المسيحية الحقيقية والإسلام مع ظلم الإقطاع واضطهاد البشر أو مع الاستبداد أو الحروب أو التعصب الديني والإرهاب..الخ. فالعلمانية وأبنائها الرأسمالية والشيوعية والاشتراكية والنازية..الخ وهذه كلها عقائد علمانية قد أشعلوا مئات الحروب أو أكثر خلال الأربع قرون الماضية ، منها حربان عالميتان في القرن العشرين قتل فيها أكثر من خمسين مليون من البشر أغلبهم من المدنيين، فالعلمانيون تناحروا فيما بينهم، وإذا أضفنا إلى ذلك أن ليس كل الحروب التي حدثت باسم الأديان السماوية هي حروب دينية فعلًا، وأن الأديان السماوية لا تدعو إلى قتل الناس أو إعلان الحرب عليهم بناء على عقائدهم، وأن الحروب تحدث أيضًا بين المسلمين أنفسهم والمسيحيين أنفسهم وبين أبناء الأمة الواحدة والشعب الواحد والقبيلة الواحدة حدث هذا في كثير من الأمم والشعوب بما فيها أمريكا في الحرب الأهلية، وبالتالي فإن من الجهل أن تتهم العلمانية الأديان السماوية أنها منبع التعصب والحرب، فهذا ليس له علاقة أبدًا بالعلم والموضوعية.

2-من قال أن العلمانية هي الحل الوسط أو الحيادي بين العقائد السماوية، كالإسلام والمسيحية؟ فهناك تشابه كبير بين الأديان السماوية وهي قائمة على معرفة الله سبحانه وتعالى وطاعته، والعبادة والعفاف وتحريم الزنا..الخ. والعلمانية تدعو لعكس ذلك، أو على الأقل تسمع وتدافع عن كثير من الأمور المخالفة ابتداء من التمرد على الشرائع السماوية، وانتهاء بالدفاع عن كل الانحرافات الشخصية والقانونية باسم الحرية. فالعلمانية لا تبنى على ما تم الاتفاق عليه بين المسلمين والمسيحيين بل تعارضه، ومن المعروف أن المسيحية ليست دينا ودولة، وبالتالي ليس هناك صراعا أو تنافسا بينها وبين الإسلام على مستوى الدولة قال الدكتور يوسف القرضاوي:"فالمسيحي يمكن أن يقبل العلمانية، حاكمًا أو محكومًا، ويبقى مع هذا مسيحيًا، غير مخدوش ولا مقهور في عقيدته ولا شريعته". وقال"وإذا نظرنا إلى العلمانية مع الإسلام وجدنا الأمر يختلف تمام الاختلاف، وذلك لأن الإسلام جاء نظامًا كاملًا للحياة" (1) فالمسيحية تقبل (ما لقيصر لقيصر وما لله لله) . وأنا كمسلم أفضل أن أعيش بدولة مسيحية ملتزمة بدينها على أن أعيش في دولة علمانية مشبعة بالكفر والزندقة في كثير من جوانبها. ومن قال أن الدولة الإسلامية ستمنع المسيحي واليهودي والبوذي..الخ من ممارسة شعائرهم الدينية ، وما نتكلم عنه ليس شعارات بل هو واقع موجود في تاريخ وواقع دولنا الإسلامية ، وليس صحيحا أيضًا أن المساواة محدودة بين المسلمين والمسيحيين في الدولة الإسلامية، فهي كبيرة جدًا ولكنها ليست مساواة مطلقة، بل إن المسيحيين لا يريدون أن تكون مساواة مطلقة في بعض المجالات كقوانين الزواج، والخدمة العسكرية والزكاة..الخ ولو نظرنا لواقع الأمة العربية لوجدنا أن 95% منها مسلمون، وهذه أكبر وحدة فكرية عرفتها العرب، وغالبية شعوبنا العربية لا يوجد فيها حتى 1% من غير المسلمين. فالعلمانية تسير مخالفة للحقائق الفكرية، ومخالفة للحقائق الواقعية، ومخالفة لرأي الأم، والشعب والديمقراطية، قال د.يوسف القرضاوي:"لا يتصور للعلمانية أن تنجح في بلد إسلامي، لأنها مناقضة لطبيعة الإسلام، الذي تدين به الشعوب المسلمة، ومناقضة لمفاهيمه وسلوكه وتاريخه..، ولا يوجد أي مبرر لقيامها، كما وجد ذلك في الغرب النصراني" (2)

(1) صـ73 الإسلام والعلمانية وجهًا لوجه د.يوسف القرضاوي.

(2) صـ60 الإسلام والعلمانية وجهًا لوجه د. يوسف القرضاوي.

فهي تصنع فتنة غير موجودة ، وهذا هو فعلًا ما صنعته حيث جاءت بعقائد أوربية وأمريكية، وتحاول تطبيقها في واقع يرفضها، ولهذا تنتقل من فشل إلى آخر، ومن هزيمة إلى كارثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت