6-سيتضح لنا فشل العلمانية وشرها إذا فصلناها عن أمور ليست منها كالديمقراطية والعلمية والعقلانية والحداثة والتطور التكنولوجي والإداري والاقتصادي والرأسمالي والأهداف والشعارات الجميلة فالعلمانية هي فصل الدين عن الدولة ومعناها أن الأديان السماوية منبع الظلم والخرافات والتعصب والسطحية والجهل.. الخ وتطالبنا العلمانية باتباع عقول الفلاسفة المتناقضين الضائعين ليحددوا لنا معاني العدل والحرية والمساواة والإنسانية..الخ والعلمانية لم توصلنا إلى حقائق وعلم بل إلى آراء متناقضة. وكل الأدلة التي قدمها الفلاسفة والمفكرون لإثبات صواب العلمانية أو أحد مدارسها كالرأسمالية والشيوعية والاشتراكية والوجودية..الخ هي أدلة مرفوضة عقلا. والعلمانية الرأسمالية بالذات لا تستند إلى أي أدلة واضحة فهي قائمة على أن الدين المسيحي حدث له تحريف، وأنه في جوانب منه يعارض الحقائق المادية، والعقل وأن رجال الدين المسيحية استغلوا الدين للتحكم بالشعوب، وهذا شيء صحيح، ولكن هذا ليس دليلًا على أن السير في الاتجاه المعاكس العلماني هو الصحيح، وحسم الخلاف بصورة علمية مع العلمانية هو بالتركيز على الأدلة التي تستند إليها، وليس على ذكر إيجابياتها وسلبياتها، فبالإمكان كما شاهدنا أن نقول عن الشيوعية أنها تنصف العمال والمستضعفين والفقراء وتقضي على الاحتكار والإقطاع، وتساوي بين البشر، وتحارب التعصب العرقي بأنواعه المختلفة..الخ وسنعرف فشل الشيوعية عندما نسلط الأضواء على الأدلة العقلية التي تستند لها في إثبات نظريات لا وجود للخالق، والكون خلق صدفة، والإنسان تطور من قرد، فهذا الكلام ينفيه العقل والعلم، وهو تخريف للفلاسفة الجهلاء. وتستند العلمانية الرأسمالية إلى أسس مثل الواقعية والتصويت، والنسبية والحلول الوسط، والعملية..الخ وهذه ليست أدلة عقلية وليست هي الأسلوب للوصول للحقائق الفكرية العقائدية والاجتماعية والسياسية، والاقتصادية، وسبب نجاحها أن فلاسفتها أكثر عقلانية وواقعية إذا تم مقارنتهم بالفلاسفة الشيوعيون كما أن وقوف أمريكا وأوربا خلفها بقوتهم الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية أعطاها دعما أكبر خاصة وأن الكثيرين اعتقدوا أن هذه القوة هي نتيجة المبادئ العلمانية! وهذا ليس بصحيح!.
مبادئنا أو مبادئكم (1)
يقول العلمانيون بأن مبادئهم أرقى من مبادئنا الإسلامية، فهم مع الديمقراطية، والسيادة للشعب، والتسامح والحرية، والمساواة، والانفتاح على الآخرين، وتشجيع الإبداع العلمي والأدبي،الخ في حين أن الإسلام ليس فيه ديمقراطية، وفيه تعصب وتزمت وانغلاق وجمود فكري وعقلي الخ. طبعا لو كان الأمر كذلك سأكون شخصيا أول العلمانيين ولكن والحمد لله فإن الأمر ليس كذلك أبدا وإليكم الأدلة:-
(1) "الأهداف العامة": ادعاء العلمانيين انهم أهل الحرية والعدل والمساواة والديمقراطية هو ادعاء باطل لأن هذه أهداف عامة تسعى لها كل العقائد أو أغلبها على الأقل،ويسعى لها كل المخلصين أو أغلبهم، فلا أحد يتبنى عقائد أو مبادئ لأنها تحقق الاستبداد والظلم والطبقية، فاحتكار الأهداف العامة وجعلها كأنها مبادئ وعقائد هي كارثة علمية وقد نجح العلمانيون من حيث يدرون أو لا يدرون في خداع الناس وخداع أنفسهم بالربط بين الأهداف العامة والعلمانية، فالحقيقة أنه ليس هناك خلاف حول الأهداف العامة، بل الاختلاف بين المخلصين في ما هي المبادئ والعقائد ( الإسلام، الرأسمالية، الاشتراكية....الخ ) التي تحقق هذه الأهداف؟ وبكلمات أخرى للحرية معان كثيرة ومتناقضة، وكذلك للعدل والتسامح، والمساواة، والعقلانية، والرحمة، الخ ولن نستطيع تحديد الحرية الصحيحة إن لم نعرف أولا المبادئ الصحيحة، ولن نصل للمبادئ الصحيحة إلا من خلال الأدلة العقلية الصحيحة، وما ينطبق على الحرية ينطبق على العدل والمساواة والتسامح وغير ذلك، وبكلمات أخرى لن تكون عادلا إذا كان كل ما لديك رغبة صادقة في تحقيق العدل، ولن تدافع عن الحرية إن لم تعرف أولا حدودها وهذا لا يتعارض مع معرفتنا بجوانب من العدل، والحرية لا يختلف البشر عليها، لأن المشكلة ليست فيما هو معروف ومتفق عليه بين البشر على أنه عدل أو حرية، بل فيما هو مختلف فيه، قيل كم من جرائم ارتكبت بإسم الحرية؟
(2) "عقلك يخدعك": قد يكون غريبا أن أحذرك من عقلك، لأن العقل المجرد قد يرى القبيح جميلا، والجميل قبيحا، فهو كالعين التي ترى السراب فتظنه ماء، فلا تنظر إلى السطح الخارجي للعقائد والمبادئ، فكثير منها جميل وجذاب وخادع، فهذه تدافع عن العمال والفقراء والمستضعفين (كالشيوعية) ، وهذه مبادئ تدافع عن الحرية والقطاع الخاص (كالرأسمالية) ، وهذه مبادئ تدافع عن الروح، والنفس، وهكذا والعكس صحيح، فهذه تتهم بالاستبداد، وأخرى بالطبقية، وثالثة، ورابعة بالمادية ....الخ وعقول البشر المخلصين توزعت بين هذه المبادئ وغيرها، فما يراه هؤلاء جميلا وحقا يراه آخرون قبيحا وباطلا، وضياع العقل البشري منتشر إلى درجة كبيرة لأسباب منها أن المفاضلة بين العقائد والمبادئ المختلفة محاولة فيها كثير من الصعوبة لاختلاف المعايير التي يستخدمها البشر، ولقدرة العقل البشري على مدح وذم كثير من العقائد والأحكام والأخلاق، فحتى الخمر تجد من يمدحها ويجعلها علاجا للهموم والمشاكل ونجد أيضا من يذم الصلاة ويعتبرها ضياعا للوقت، أو علامة على التخلف والسطحية، وبالتالي فالعقول المخلصة لن تحسم اختلافاتها إذا عملت مقارنات بين مبادئنا ومبادئكم، أي أن المقارنة مثلا بين الإسلام والعلمانية في العقائد والشرائع لن تكون حاسمة، وسيكون مجال الجدل واسعا ومستمرا أما طريق الحسم فهو أن نسأل ماهية الأدلة العقلية على صواب هذه المبادئ أو تلك؟ قال ابن تيمية:"إن مئات الآلاف من النفي لا يقوم مقام إثبات واحد" (1) .
(3) "الأدلة العقلية": حسم الحق من الباطل في العلوم المادية يتم من خلال طريق التجربة والمشاهدة والاستنتاج، لا من خلال جمال هذا الرأي، أو قبح الآخر، ولهذا فالحقائق المادية واضحة، ولا اختلاف حولها. وإذا بحثنا عن الحقائق في المجال الفكري (الإسلام، المسيحية، العلمانية، البوذية، الشيوعية، الخ) فهو ممكن وسهل إذا سلكنا الطريق الصحيح الذي يوصل إليها والذي يركز على إرجاع
(1) ص 216 رجال الفكر والدعوة في الإسلام أبو الحسن الندوي