فهرس الكتاب

الصفحة 492 من 3028

4-ذكر الأخ حامد أن العلمانية تضيق المجال على العنصرية والمذهبية والقومية والطائفية والعشائرية وأقول بل العكس هو الصحيح لأن كل من ينتمي لهذه المبادئ هو إنسان طبق ما دعت إليه العلمانية، وهو فصل الدين عن الدولة فهؤلاء أوصلتهم عقولهم العلمانية إلى أن التعصب القومي أو الوطني أو الطبقي أو القبلي..الخ هو مبدأ صحيح فالنازية فكر علماني استند إلى عقول الفلاسفة العلمانيين وليس إلى علماء المسيحية، أو الإسلام، وكذلك الفكر الشيوعي والرأسمالي والاستعماري والوجودي.. الخ ولو كان الاحتكام للإسلام لما وجدت كل هذه المبادئ العلمانية، وبعد رفض الانتماء للإسلام كدولة وسياسة في تركيا العلمانية ظهرت العصيبات العرقية التركية والكردية، وظهرت الأحزاب اليمينية واليسارية المتطرفة، وظهر التعصب لمصطفى كمال وجعلها أيضًا منبوذة داخل الوسط الإسلامي العربي والعالمي مما أفقدها التأييد السياسي في صراعها مع اليونان حول قبرص مما دفعها لاحقًا لاستضافة مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية بعد أن وجدت نفسها وحيدة في عالم السياسة وبالإسلام كانت تركيا دولة عظمى واليوم هي دولة عادية تخضع لشروط البنك الدولي وتطلب المساعدة من أمريكا، وتعبت وهي تطلب أن تقبل عضوا في الاتحاد الأوروبي. وما أقوله لا يتعارض مع حرص العلمانية الأمريكية على محاربة التعصب الديني والسياسي، ولكن العلمانية الأمريكية ليست الممثل الشرعي والوحيد للعلمانية، وأتمنى ألا نتفاءل كثيرًا بالعلمانية الأمريكية؛ فالسيطرة في أمريكا للبيض وللبروتستانتية، وإذا وجدت استثناءات عرقية وطائفية فهذا لا يتعارض مع المصالح العليا للطوائف والأعراق الكبيرة، والذكاء الأمريكي يسمح بذلك لأن البدائل الأخرى أشد مرارة وليس صدفة أن يكون الأمريكيون الأفارقة أكثر الأمريكيين فقرًا وبطالة وجهلًا، وأنا هنا لا أتحدث عن القوانين الجميلة بل عن الواقع والحقائق. وعمومًا في أغلب بلاد العالم عقائد ومبادئ دينية وطائفية وعلمانية وفي النهاية يجب أن يتم اختيار أحدها على مستوى الدولة فإذا اخترنا الإسلام اخترنا الحق والصواب وإذا اخترنا العلمانية فقد اخترنا الباطل والخطأ، وأضيف لذلك أن العلمانية ليست الاختيار الصحيح حتى ولو كان موقفها من الأديان السماوية كحل وسط لأن الحق ليس بالضرورة هو الحل الوسط. فإذا كان هذا الجانب في العلمانية والذي يبدو جميلًا هو قبيح، فكيف إذا سلطنا الأضواء على سلبيات العلمانية الكثيرة؟! وراجعوا أن شئتم كتابي"عجز العقل العلماني"لأن الموضوع طويل ومتشعب.

5-القول بأن العلمانية الرأسمالية تنصف الأقليات صحيح لدرجة كبيرة، والسؤال المهم هو هل النظام الإسلامي يضطهد الأقليات الدينية والعرقية؟ الإجابة لا، لأن النظام الإسلامي يستمد مبادئه من القرآن والسنة، والله لا يأمر إلا بالعدل والحق، ونحن نتحدث عن الإسلام لا عن اجتهادات متطرفة، أو تطبيقات خاطئة، ومعارضتنا للعلمانية الرأسمالية ليس معناه أن كل ما فيها مرفوض، وخطأ، بل فيها جوانب كثيرة صحيحة كالديمقراطية التي نستطيع أن نقول بينها وبين الشورى تشابه كبير جدًا، كما أننا نتفق إلى درجة كبيرة مع حرية الرأي الغربية. وقد أعطى المسلمون للأقليات الدينية الحرية في ممارسة عبادتهم، ولم يقتصر ذلك على المسيحيين واليهود بل أيضًا للآشوريين والهندوس، وكذلك هناك حجم كبير من الحرية والمساواة مع المسلمين في كثير جدًا من الحقوق والواجبات، ولكنها ليست مساواة مطلقة. كما يطالبنا الإسلام بالنظر إلى الفرد ومؤهلاته وإنتاجيته في التوظيف والترقيات، وأمام المحاكم، ولا نفرق بين المسلم وغير المسلم، وهذا ما يفعله كل مسلم واع قال تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط(25) سورة الحديد وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون(8) سورة المائدة.

(1) فتوى شيخ الإسلام في حكم من بدل شرائع الإسلام.

(2) ص 60 تحكيم الشريعة ودعاوى العلمانية د. صلاح الصاوي.

(3) ص 530 كتاب القومية العربية والإسلام - مركز دراسات الوحدة العربية.

ولو قلت لي اختصر الإسلام في كلمات قليلة لقلت هو التوحيد والعدل والرحمة بالإنسان والحيوان ويستحيل عقلًا وشرعًا أن يأمرنا الله سبحانه وتعالى بمبادئ وشريعة ضد العدل والحرية النظيفة والأخلاق الرفيعة، ويدعونا الإسلام للتميز في المجالات الاقتصادية، والتكنولوجية، والإدارية، والى إتقان العلم والعمل، وما يحدث في واقع المسلمين من كسل وخمول وتخلف علمي وتكنولوجي هو نتيجة عدم التزام المسلمين بالإسلام، وليس العكس. وتبقى نقطة هامة في قضية العدل وهو من المستحيل تحديد العدل قبل أن نحدد ما هي المبادئ الصحيحة أولًا هل هي الإسلام، أو العلمانية؟ والعدل هو الالتزام بهذه المبادئ حتى ولو كانت عقولنا تظن أن بعض هذه المبادئ تخالف العدل والحق فالعقل البشري المجرد يرى أحيانًا كثيرة الحق باطلًا، والباطل حقًا، فبلا نور من الله سبحانه وتعالى لن نعرف الحق من الباطل قال تعالى: (ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور) سورة النور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت