قالت العلمانية للبشر: ابتعدوا عن الدين، واتبعوا العقل"العلماني"فهو سيبين لكم الحق من الباطل، والصواب من الخطأ في الجوانب السياسية والاجتماعية والعقائدية والاقتصادية، وتعالوا لنسأل العلمانيين الرأسماليين عما وصلت إليه عقولهم من الهداية والنور والعلم خاصة وأن عقولهم تفكر وتناقش وتكتب منذ أكثر من أربعمائة سنة .... ولنسألهم أسئلة عقائدية مثل هل يوجد خالق لهذا الكون؟ وإذا كان موجودا فما هي صفات الخالق؟ ولماذا خلقنا؟ وهل هناك جنة أو نار؟ هذه الأسئلة وغيرها فكر فيها العلمانيون من فلاسفة ومفكرون وكانت إجاباتهم متناقضة وسنكتشف أن العقل العلماني لم يصل إلى إجابات محددة تحدد للناس الحق والصواب في هذه الأمور، وبكلمات أخرى لم يصل لحقائق علمية، بل وصل إلى إجابات متناقضة، أي آراء وظنون، فالعقل العلماني لا زال يعيش في عالم الحيرة والضياع في الجوانب العقائدية، وهذا هو الجهل والعجز والفشل، ولكن الذكاء العلماني يتهرب من هذا المأزق بأن يعطيك أراء لهذا الفيلسوف أو ذاك، وقد ينصحك بأن تبتعد عن هذا المجال لأنه معقد، أو فشل فيه الفلاسفة العلمانيون فلماذا تحاول أن تبحث عن إجابات صحيحة؟ إن في ذلك مضيعة لوقتك وقد يقول بعض العلمانيين ناصحا هذه قضايا ما وراء الطبيعة (ميتافيزيقا) (أو بلغتنا العربية أمور غيبية) فابتعد عنها، واهتم بالواقع، وما يفيد نفسك وأسرتك، وهذا الهروب مرفوض لأن العقائد والمبادئ سواء كانت صحيحة أو خاطئة تنعكس على سلوك الفرد وواقع المجتمع ، ويتضح العجز العلماني إذا انتقلنا للجوانب الاجتماعية وقلنا للعقل العلماني أعطنا الإجابات التي وصلت لها، ولنسأله، ما هي حدود الحرية الشخصية؟ ومن هو المسئول عن الإنفاق على المنزل؟ وما هي الحقوق والواجبات الزوجية ؟ وكيف نربي أبناءنا؟ الخ هذه الأسئلة وغيرها لن نجد لها إجابات محددة في العقل العلماني يثبتها بالأدلة العقلية، بل سنجد إجابات متناقضة لهذا الفيلسوف وذاك المفكر، فالعقل العلماني لا يقول أن الإنفاق على المنزل هو مسئولية الرجل أو المرأة أو بالمناصفة أو غير ذلك بل يعطيك"الحرية"أن تختار ما تشاء من إجابات فلا يوجد حق ولا باطل ولا علم ولا جهل، ويتهرب من هذه الأسئلة الأساسية بكلمات جميلة مثل هذه حرية شخصية وتفاهم مع زوجتك، وهذا في الحقيقة فشل وعجز وجهل لأن العقل العلماني الذي طلب منا أن نترك الإجابات الدينية على هذه الأسئلة لم يعطنا أي إجابات أي وصل إلى لا شئ ومن البديهيات أن الإنسان حر ويستطيع أن يتصرف كما يشاء، في أموره الاجتماعية بأن يقتنع بأي مبادئ، ويتبع أي سلوكيات والسؤال الموجه للعقل العلماني ما هي المبادئ الصحيحة التي تحقق العدل والحرية الشخصية والعلاقات الاجتماعية الرشيدة؟ حتى يتمسك بها الناس ويحتكمون إليها. فالعقل العلماني يقول الإجابات الدينية خاطئة، وفي نفس الوقت لا يعطيك"إجابات علمانية"لأن إجاباته مستندة إلى ظن، ومن المحتمل ويمكن ولا أدري، وأنت حر واختر ما تشاء، ولو كانت له أخلاق العلماء لقال أنا جاهل وأنا ضائعالخ وإذا كان العقل العلماني هرب من إعطاء الإجابات العقائدية والاجتماعية فإنه أيضا لا يملك إجابات سياسية أو اقتصادية، فقوانينه وتشريعاته وحتى مبادئه مجهولة وغير معروفة، ولا يتم استنباطها على مستوى الدولة من خلال العقل والأدلة العقلية بل من خلال التصويت، فهي مجهولة قبل التصويت ولا تظهر إلا بعده فهي إذن ليست حقائق علمية بل هي آراء شعبية تم صناعتها من خلال التصويت لا العقل وكلنا يعرف أن المجالس الشعبية تعطي حلولا سياسية لا علمية، كما أن النجاح في الانتخابات لا يخضع للأكثر حكمة وعقلا بل للأكثر مالا وعرقا وإعلاما وأحيانا خداعا وكذبا، وتتدخل في التصويت المصالح والشهوات والأهواء والعصبيات والتحزبات والأعراق والعقائد المتناقضة، واللجوء للتصويت هو لجوء العاجز عن الوصول بالعقل للحقائق، والتصويت كمبدأ جيد في القضايا الاجتهادية لا في تحديد العلم من الجهل، والحق من الباطل في القضايا الأساسية وأقول بصوت عال لم يحلم الجهل في تاريخه الطويل أن يتساوى مع العلم إلا من خلال الفلسفة العلمانية، فما يقوله الجهل آراء وما يقوله العلم آراء وكلها مقبولة ونطبق منها ما يحصل على الأغلبية في التصويت وباختصار العقل العلماني قال ابتعدوا عن الدين وسنحتكم للعقل، وهو فعلا لم يحتكم للعقل، لا في القضايا العقائدية، ولا الاجتماعية، ولا الاقتصادية والسياسية، فالأولى قضايا غيبية لنبتعد عنها، والثانية حرية شخصية، فافعل ما تشاء، وأما الثالثة والرابعة فالاحتكام فيها للتصويت لا العقل، فهو لم يصل إلى علم أي حقائق علمية، ولم يحتكم أبدا إلى العقل ومع هذا يظن كثير من العلمانيين أنهم أهل العقل والعلم. قال تعالى:"فإن لم يستجيبوا لك فاعلم إنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين" (50) سورة القصص.
قال د."الكسس كاريل" (في كتاب الإنسان ذلك المجهول: إننا قوم تعساء ننحط أخلاقيا وعقليا إن الجماعات والأمم التي بلغت فيها الحضارة الصناعية أعظم نمو وتقدم هي على وجه الدقة، الجماعات والأمم الآخذة في الضعف، والتي ستكون عودتها إلى البربرية والهمجية أسرع من عودة غيرها إليها، ولكنها لا تدرك ذلك.. إن القلق والهموم التي يعاني منها سكان المدن العصرية تتولد عن نظمهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية) (1) .
(1) ص 77 أوهام العلمانية حول الرسالة والمنهج د. توفيق الواعي.
القراءة الصحيحة للعلمانية والواقع التركي
كتب الأخ العزيز حامد الحمود مقالا في القبس بتاريخ 11 نوفمبر 2002 بعنوان"العلمانية والقراءة الخاطئة لنتائج الانتخابات التركية"وتم التطرق فيه إلى مواضيع كثيرة تحتاج إلى نقاش وتوضيح وألخص وجهة نظري في النقاط التالية: