فهرس الكتاب

الصفحة 489 من 3028

قال ابن تيمية"للمتفلسفة في الطبيعيات خوض وتفصيل تميزوا به بخلاف الإلهيات، فإنهم أجهل الناس بها وأبعدهم عن معرفة الحق فيها، وكلام أرسطو معلمهم فيها قليل كثير الخطأ" (1) وليس غريبا إذن أن يتأثر بعض شبابنا ممن درسوا في الغرب بهذه الاقتناعات ويعتبروا كلمة علم تنطبق فقط على المجالات المادية كأن المجالات الفكرية ليس فيها علم، ونقول علمنا منطلق من قضيتين أساسيتين هما وجود الأدلة العقلية على وجود الله سبحانه وتعالى، وهذه الحقيقة يؤمن بها الأغلبية الساحقة من البشر بغض النظر عن صفات الله سبحانه وتعالى عندهم ،وكذلك قامت الأدلة العقلية أيضا على أن محمدا بن عبدالله رسول الله، وبالتالي فكل ما في القرآن والأحاديث صحيح، ونذكر هنا أن مبدأ وجود الرسل هو أيضا مبدأ متفق عليه بين الغالبية الساحقة من البشر بغض النظر عن عدد الرسل الذين يؤمنون بصدقهم كما أضيف إلى ذلك أن عندنا كمسلمين بناء على القرآن والسنة أن موسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهما أنبياء، وأن التوراة والإنجيل من الكتب السماوية وأن ما بهما حقائق فكرية، ولكن حدث بعد ذلك تغيير في بعضها، والمقصود أن الحقائق الفكرية السماوية المشتركة بين الأديان السماوية كلها علم وحقيقة، وليست آراء، ولو لم يكن علما لما آمنا به فصفات الله سبحانه وتعالى التي جاء ذكرها بالقرآن والأحاديث هي حقائق وليست أساطير أو آراء أو ظنون ، وكذلك بالنسبة لواجباتنا وأحكام شريعتنا فهذه حقائق فكرية أي علم إذا التزمنا بها وطبقناها في حياتنا حققنا السعادة والنصر والقوة والعدل والحرية الخ وأي مبادئ علمانية مخالفة للإسلام هي الجهل، وبالتالي لو طبقناها في حياتنا فسنحصد التعاسة والهزيمة والضعف والظلم والعبودية، وما نقوله ينطبق على الفرد والأسرة والحزب والدولة وهو لا يتناقض مع ما يحدث في واقعنا والعلو فيه يرجع إلى حجم ما يتم أخذه فيه من حقائق مادية وفكرية أي ما يأخذ من أسباب مادية وإيمانية فالذي يعقلها ويتوكل على الله ينجح، ويكون على القمة، والناس والدول يتفاوتون في أخذهم بالأسباب الإيمانية والمادية ولهذا يتفاوتون في القوة والغنى والعز والذل والسعادة والتعاسة. ومن المعروف أن نصيب أغلب دولنا الإسلامية ضعيف في أخذنا بالأسباب الإيمانية والمادية معا، ولهذا أغلبها في مؤخرة الدول في سلم النجاح والفشل ومن المعروف أيضا أن أمريكا مثلا متقدمة جدا في العلوم المادية ولهذا تحقق خطوات كثيرة للأمام كما أن لديها بعض النجاح الفكري في قضايا الشورى والحرية والعدل وهذا لا يمنع وجود فشل ذريع لها في أغلب القضايا الفكرية العقائدية والاجتماعية ولهذا يعتبر الأمريكي من أكثر الناس تعاسة. وبعيدا عن جدل العلمانيين والفلاسفة فالمسلم الملتزم بالإسلام هو نموذج واقعي مشاهد عن بعده عن المخدرات والخمر والزنا والكذب والظلم والنفاق الخ. وهو إنسان صادق وأمين ومجتهد في عمله وبار بوالديه وأسرته ومحترم في عائلته ومجتمعه وحكيم في قراراته ومتحكم في تصرفاته وفعال في مجتمعه فهذا النجاح الشخصي حدث لأنه ملتزم بعلم، ويعيش على نور وهداية وبصيرة وعقلانية.

عجز العقل العلماني

نفهم أن يتحدث فرد باسم حكومة أو شعب أو حزب أو دين أو مؤسسة أو غير ذلك وقد يكون ممثلا نموذجيا لمن يتحدث باسمهم أو لا يكون ولكن الغريب أن بعضهم بني آدم كالعلمانيين جعلوا أنفسهم الممثلين الوحيدين للعقل البشري، وكأن عندنا شئ أو مجسم محدد اسمه العقل، وأن هذا له اتباع وأولياء يمثلونه ويتكلمون باسمه، ويحق لهم تحديد المؤمنين بالعقل والكافرين به. وهؤلاء يجهلون أو يتجاهلون أن عندنا بلايين من العقول البشرية، وكلها عقول بشرية سليمة مائة بالمائة من الناحية العضوية، أي ليسوا مجانيين كما أن بني آدم لم يعطوا لا قديما ولا حديثا أي بيعة أو انتخاب لفرد أو حزب أو اتجاه لأن يتكلم باسم العقل ونرجو أن لا يقول أحد أن العقل البشري يقول كذا وكذا بل ليقل عقلي يقول كذا وكذا لأن للآخرين عقول فلا تتكلم باسم عقولهم كما أن لمن يخالفك بالرأي عقل، ولا تظن أنه لم يستخدم عقله لأن الحقيقة قد تكون أنه استخدم عقله أكثر منك بعشر مرات، وأنه إنسان كثير القراءة والتفكير والتأمل والنقاش وهو بالتأكيد لا تأتي أفكاره من أنفه أو بطنه بل من عقله، ولكن مشكلة العلمانيين أنهم لا يعرفون الفرق بين العقل والعلم، وبين العلم والجهل، ولا يعرفون ماهي الحقائق الفكرية؟ وعقول العلمانيين حتى ولو كانت تفكر فإنها لم تصل للحقائق الفكرية، بل تعيش على الآراء والظنون وأقوال الفلاسفة، ولهذا ترى عقائدهم مختلفة ومفاهيمهم متناقضة، وتهزها وتغيرها الأحداث السياسية، بل الشخصية، وهذا يثبت أنها اقتناعات قائمة على الجهل، ولهذا تهتز بسهولة !! وإذا قيل قبل عدة قرون كم من جرائم ارتكبت باسم الحرية فأقول: كم من جهل نسب زورا للعقل، ولو تكلم العقل البشري الحكيم لقال عن العلمانيين أنتم أعداء العقل والعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت