6-من المعروف أن العلم المادي يتعامل مع مجالات الطب والهندسة والكيمياء والفيزياء والزراعة الخ مما يسمى العلوم التجريبية وهذا العلم وأدواته عاجزة تماما عن إثبات أو نفي الحقائق الفكرية والتاريخية فهو ليس باستطاعته معرفة ماذا حصل من أحداث قبل ألفي عام مثلا فهناك حقائق تاريخية لا ولن يعرفها العلم المادي لأنه لا يوصل لها طريق التجربة والمشاهدة والاستنتاج، وإذا عجز العلم المادي عن إثباتها فلا يعني أنه ليست هناك حقائق تاريخية حدث فيها قتل أو خيانة أو كذب أو صدق أو وفاء أو سرقة ....الخ وهناك في المجال الفكري حقائق: فوجود الله سبحانه وتعالى حقيقة فكرية، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم حقيقة، وكل ما في القرآن والسنة حقائق فكرية، فالوصول للحقائق الفكرية يتم بمناقشة أسس وأصول المبادئ والعقائد الدينية والعلمانية وما لديها من أدلة عقلية. ونقول العلم المادي عاجز عن إثبات صواب أو خطأ الرأسمالية والشيوعية والنازية وبقية فروع العلمانية لأنه لا يمكن إدخالها المختبرات، وفحصها وعجز العلم المادي ليس دليلا على عدم وجود حقائق في المجال الفكري لأننا لو قلنا ذلك فهذا يعني أننا لن نصل إلى معرفة ما هي الحرية أو العدل أو حقوق الإنسان ولن نستطيع أن نقول الزواج حق والزنا باطل وليس لدينا دليل علمي على أن السرقة والكذب وحتى القتل رذائل وجرائم وهذا ليس بصحيح والظن بأن العلم يقتصر على العلم المادي فقط هو بحد ذاته كارثة علمية، فوجود الله سبحانه وتعالى هو أكبر وأهم حقيقة في الكون، ومع هذا لا نستطيع إثباتها في المختبر، ولكن هناك نجوم وكواكب ومجرات وأرض وكائنات مادية محسوسة تثبت وجود خالق عليم وعظيم، فهذا دليل علمي عقلي وتعجز المختبرات عن إثبات إعجاز القرآن العظيم ولكن هذا شيء يعرفه علماء اللغة العربية، ونعرفه من عجزنا كبشر على عمل قرآن آخر مع ما لدينا من علماء في اللغة وغيرها، ويعلم أيضا العقلاء أن شريعة الإسلام وما فيها من اعتدال وعمق ورحمة وحزم ومرونة و واقعية وأخلاق الخ شريعة راقية، ودليل على عظمة الخالق، وصدق الأنبياء لان عقول المفكرين والفلاسفة عجزت حتى يومنا هذا على إنتاج مبادئ وشريعة تحقق حتى خمسة بالمائة مما جاء به الإسلام.
الدين العلمي
من التهم الطريفة التي يطلقها العلمانيون هو اتهام المسلمين بأنهم مقتنعون بأنهم أهل الحق والحقيقة والصواب وأن الآخرين على باطل وخطأ ونعترف أن هذه التهمة صحيحة إذا كان الحديث عن العقائد والمبادئ الأساسية وهي ليست صحيحة إذا كان الحديث عن اجتهادات إسلامية فكرية أو سياسية لدولة أو جماعة أو عالم. وشدة"اقتناع وإيمان"المسلم بمبادئه شئ طبيعي مقارنة"باقتناع وإيمان"العلماني بمبادئه وما فيها"من حقائق"لأن الفكر العلماني قائم على الظن والشك وأقوال الفلاسفة فهو آراء وليس حقائق وبكلمات أخرى كلها اجتهادات تحتمل الصواب في اعتقادهم وكذلك تحتمل الخطأ، وهم يعترفون صراحة بأن عقولهم لم تصل إلى حقائق فكرية يجب الإيمان بها، وان الاحتكام في المبادئ والتشريعات عندهم خاضع للتصويت لا العقل، وأحيانا يقولون إن الحقائق نسبية، وهذه كارثة عقلية وعلمية، فمتى كان الحق والصواب نسبيا فما دام أن مبادئهم وعلمهم مشكوك في صحتها فالمسألة نسبية لأنها مقارنة بين سئ وأسوأ وفى المقابل نجد المسلم مقتنعا بناء على عقله وأدلة عقلية على وجود الخالق وصدق الرسل وأن ما يؤمن به هو حقائق لا يأتيها الباطل والشك والظن لا من أمامها ولا من خلفها فمن الطبيعي أن يكون واثقا منها. والفكر العلماني قائم على انه لا أحد يملك الحقيقة ،لا العلمانيون ولا الإسلاميون وبكلمات أخرى كلنا جهلاء، ومن يدعى أنه عالم فهو مخطئ، وفى نفس الوقت واثقون"من علمهم"ومفاهيمهم عن الحرية والعدل والإصلاح وحقوق الإنسان الخ ويدافعون عنه ولو طبقنا الإقتناعات العلمانية في القضايا المادية وجعلنا كل الحقائق المادية التي وصل لها البشر في علم الفيزياء والكيمياء والفلك والطب والزراعة الخ آراء مادية لا يجوز لمن وصل لها اعتبارها حقائق، ومن يدعى أنها حقائق فهو يحتكر العلم، وهو شخص مغرور، فإن هذه الإقتناعات يرفضها حتى العلمانيون لأنهم يعلمون أنها حقائق، ويعلمون أن الفيزيائي يتكلم بثقة واعتزاز عن المبادئ والقوانين التي تتحكم في المواد، وأنه ليس على استعداد للتنازل حتى عن بعضها أملا في التقرب للآخرين ، أو لإرضاء من لا يفقه في الفيزياء ،ونقول إن المسلم يؤمن بأن مبادئه حقائق، وانه يعرف علم السعادة ، وعلم العدل، وعلم الحرية، وعلم العبادة الخ ويعلم أن ما يخالفها من عقائد ومبادئ وشرائع علمانية أو دينية خاطئة ، فالدين علم وليس آراء، وقد جاءت كلمة علم ومشتقاتها في القرآن مئات المرات قال تعالى:"أفمن يعلم أنما انزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب" (19) سورة الرعد، وقال تعالى:"قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" (9) سورة الزمر وقال تعالى: من بعد ما جاءك من العلم" (145) سورة البقرة، ومن الأخطاء القاتلة هو الظن بأن العلم science سيقتصر فقط على العلوم المادية كالكيمياء والفيزياء والطب والهندسة ....الخ وتسمية كلية"العلوم"تنسجم مع هذا الاقتناع كأن التخصصات الأخرى"ليست علمية"أي لا يوجد فيها علم، وهذا الاقتناع صحيح لدرجة كبيرة في العالم الغربي حيث تنقسم عندهم العلوم إلى قسمين رئيسين، قسم العلوم المادية، وقسم العلوم الاجتماعية، والقسم الأول قسم يتم التوصل لحقائقه من خلال التجربة والمشاهدة والاستنتاج، ويشمل مجالات الكيمياء والفيزياء والأحياء وغيرهم، أما المجال الثاني فهو الفكر العلماني، ويشمل الدراسات الفلسفية والعقائدية والاجتماعية والنفسية، وهم لم يتوصلوا فيه إلى حقائق بل نظريات وآراء فهو يبين ماذا قالت هذه المدرسة الفلسفية أو تلك وماذا قالت هذه النظرية أو تلك ورأى هذا الفيلسوف أو ذاك تاركين في النهاية لكل شخص يقرر ما يرى أنه صواب، ولا يوجد هناك علم يتم الدفاع عنه. قال أبو الحسن الندوي: يعتقد ابن تيمية أن المتكلمين والفلاسفة كلهم إنما ارتكبوا نوعا واحدا من الخطأ، وأن خطة عملهم واحدة بالرغم من جميع الخلافات التي توحد بينهم، إن خطأ كل من هؤلاء وضعفهم أنهم حاولوا أن يعتمدوا على الحدس في الحصول على الشيء الذي لا يحصل بالحدس والتخمين، وصارعوا الفطرة والنبوة كلتيهما، ولذلك فإن تحقيقاتهم إثمها أكبر من نفعها" (1)
(1) ص 212 رجال الفكر والدعوة في الإسلام - الجزء الثاني - أبو الحسن الندوي