فهرس الكتاب

الصفحة 487 من 3028

3-عاشت العلمانية عدة قرون بدون أن تشهد ثورات علمية، فبقى العلم المادي نشاطًا فرديًا، ولكن لا شك في أن العلمانية ساهمت في إعطاء علماء المادة مزيدًا من الاحترام والتقدير، ولم تضع حدودا لآرائهم وتقدمهم وهذا الفضل يحسب لها، ولكن كما وضحت لا يعني هذا أن علماء المادة كانوا مختنقين قبل ذلك. والذي حدث وأدى إلى بعض التغيرات العلمية الكبيرة هو تنافس الدول الأوربية الاستعمارية فيما بينها على احتلال أكبر مساحات ممكنة في آسيا وأفريقيا مما شجع صناعة السفن وعلم الفلك، وتطوير الأسلحة، فالعلم المادي دخل ساحة الصراع السياسي والعسكري ولم يعد يهم علماء المادة وحدهم.

4-أدركت الدول والشعوب وخاصة في بداية القرن العشرين أن التطور العلمي هو الدجاجة التي تبيض ذهبا وهو الكنز الحقيقي، فاختراعات أديسون حققت أرباحا هائلة ، وتطوير الأسلحة اصبح الوسيلة الرئيسة لكسب الحروب ولهذا اتجهت الشركات والحكومات للاستثمار الكبير في البحث العلمي مما أحدث الثورات الكثيرة في القرن العشرين في حين أن العلمانية كان عمرها على الأقل أربعمائة سنة، وهذا دليل على أنه لا يوجد ترابط بينهما إلا في جانب محدود. ومن المعروف أن الحروب تحقق قفزات علمية ونسبة عالية مما يصرف على البحث العلمي يصرف في مجال الأبحاث العسكرية ويستفاد من نتائجها في المجال المدني بصورة مباشرة وغير مباشرة.

5-حدوث التطورات التكنولوجية في دول علمانية لا يعني أن العلمانية نفسها هي وراء ذلك، بل العوامل الأخرى التي ذكرتها، فروسيا الشيوعية وكذلك الصين حققتا نجاحات علمية كبيرة مع أن الدول العلمانية الرأسمالية تعتبرانهما دولتين غير علمانيتين، وحققت اليابان بعقائدها البوذية نجاحات تكنولوجية كبيرة، أما دولنا الإسلامية فالغالبية الساحقة منها لم يتح لها الاستقرار العقائدي والسياسي والاقتصادي لتقوم بالبناء التكنولوجي، ورغبتنا كدول وكشعوب في تعلم العلوم التكنولوجية واضحة بدليل تخصص كثير منا في الهندسة والطب والكيمياء والحاسب الآلي، ولم يقف الإسلام معارضًا لذلك، بل مشجعًا له وهذا يثبت أن المشكلة لم تكن إطلاقًا في وجود تعارض بين الدين والعلم المادي ولكن بعض العلمانيين لا يزال يصر على تزوير الحقائق!!

الإسلام والتصادم مع العلم

كثيرا ما تطرقنا إلى العلمانية واتهاماتها وأوهامها فقد اتهمت الإسلام بأنه ضد العقل وهذا الاتهام باطل وإليكم الأدلة:-

1-من الخطأ أن نقول أن الإسلام ضد العقل لأنه لا يوجد هناك عقل واحد له عقائد ومبادئ محددة ومعروفة يحتكم لها البشر فالعقول البشرية بعدد البشر، وهي عقول مختلفة ومتناقضة في مبادئها، فهناك عقول تتفق مع الإسلام، وهناك عقول تتناقض معه إذا المفروض أن يتهم الإسلام أنه ضد العلم وليس العقل والعلم ينقسم إلى حقائق مادية وحقائق فكرية والسؤال الذي يطرح نفسه هل يتعارض الإسلام مع هذه الحقائق وإذا كان الأمر كذلك ننتقل إلى النقطة الثانية.

2-أثبتنا وأثبت غيرنا من البشر ومنهم كثير من العلمانيين أيضا أن وجود الله سبحانه وتعالى حقيقة أي علم وأثبتنا أن محمد بن عبدالله رسول الله بما جاء معه من أدلة منها إعجاز القرآن وصدق تنبؤاته، وعظمة سيرته ....الخ أي أن صدقه حقيقة وبالتالي فكل ما جاء في القرآن والأحاديث الصحيحة حقائق أي علم، أما اجتهادات علماء الإسلام فهي تصيب وتخطئ، فما كان منها خطأ يرفض، وما كان منها حقيقة (علم) يقبل، والذي يحدد ذلك هو العقل الإسلامي الذي يستند في ذلك للقرآن والسنة وحقائق الواقع والتحليل والتفكير أي الاجتهاد، أما الآراء والاجتهادات العلمانية فهي أراء الفلاسفة، ولا توجد أسس صحيحة لها فهي في اعترافهم آراء تصيب وتخطئ وليست علما (حقائق) أي هي ظن، وليست يقينا وهذا لا يعني أنها كلها خطأ، ولكن لا أحد يستطيع أن يثبت أن هذا الرأي أو ذاك هو علم أو جهل، فإذا تعارضت الآراء العلمانية مع الحقائق الإسلامية الفكرية فالآراء خاطئة.

3-عندما يقال إن هناك حقائق مادية تعارض الإسلام فإن هذا معناه إما أن يكون هناك خطأ في الإسلام وهذا أمر مستحيل، أو أن هناك خطأ في الحقيقة المادية، وهذا مستحيل إذا كانت فعلا حقيقة، إذن التعارض مستحيل، ومما يثبت ذلك أننا نطالب أولا بتحديد أين يوجد هذا التعارض، أي اذكروا لنا الحقائق الإسلامية التي تتعارض مع الحقائق المادية، هل هي في مجال الفلك أو النبات أو الطب أو الفيزياء ؟ طبعا لا توجد أي حالات يقينية ! أما القول بأن نظرية دارون في خلق الإنسان تتعارض مع آيات قرآنية، فهذه نظرية لم تثبت أن الإنسان تطور من قرد أي ليست هذه حقيقة علمية مادية، أما إثباتها بأن هناك تدرج في الكائنات فهو أمر لا نستطيع من ناحية إسلامية فكرية إثباته، أو نفيه لان الآيات لم تتطرق لهذا الموضوع حسب علمي وهذا التدرج خاضع إثباته أو نفيه للعلم المادي وأدلته. وعموما فنحن عندما نتكلم عن الحقائق الإسلامية لا نتكلم عن تفسيرات لآيات أو أحاديث فهذه اجتهادات، بل نتكلم عن حقائق واضحة.

4-أي قارئ للقرآن الكريم حتى ولو لم يكن مسلما يعلم أن الكتب السماوية هي كتب تتكلم عن العلم الفكري أي عن صفات الله سبحانه وتعالى وأمره وشريعته ونظم الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاق وقصص الأنبياء، وان تطرقها للعلوم المادية كالسماوات والأرض والكائنات ....الخ هو محدود، وهو تطرق ليس فيه ما يعارض أي علم مادي معروف . فهي إذن كتب ليست مختصة بالعلوم المادية، وبالتالي فاحتمال أن يوجد تعارض ضعيف بحكم اختلاف العلم الفكري عن العلم المادي، فالمسالة في حقيقتها أن العلمانيين يناقشون الموضوع ليس لأن هناك تعارض علمي، بل بدوافع سياسية وفكرية ومصالح لدول أو اتجاهات فكرية، أو أحزاب، أو أفراد تريد أن تحارب الإسلام، ولا تريد أن تبحث عن الحق ولا تريده !!

5-أقول وأكرر مطلوب من كل من يتهم الإسلام بأنه يتعارض مع الحقائق المادية أن يحدد أي الحقائق المادية التي تعارض آيات أو أحاديث حتى يتم نقاش الموضوع بصورة واضحة،أما محاولة إيهام الناس بأن هناك مشكلة أو مشاكل كبيرة في وجود تعارض بين الإسلام والعلم المادي فهو كلام لا يصدر إلا عن جاهل أو كاذب بدليل أن تعامل المسلمين كدول وأفراد مع العلم المادي قديما وحديثا تعامل طبيعي، ولم يجدوا فيه أي تناقض أو حيرة فكرية أو تشكيك في إيمانهم، فنجد المسلم المهندس والمسلم الطبيب والمسلم الكيميائي ونجد تشجيعا إسلاميا كبيرا على التأمل في الكون والكائنات، وعلى تشجيع العلم المفيد بكافة جوانبه، ونجد الدعوة لاكتساب القوة المادية بكافة أنواعها وهذا وغيره يثبت أنه لا توجد إطلاقا مشكلة حقيقية بين إسلامنا والعلم المادي، وهذه حقيقة نشاهدها كل يوم بأعيننا في كل مكان، وإذا أضفنا إلى ذلك أن علماءنا كتبوا الكثير قديما وحديثا ينفون أي تعارض بين الإسلام والعلم المادي، وناقشوا شكوك واتهامات في هذه المواضيع وفندوها فالمسألة إذن لا تزيد عن عناد وجهل ومصالح سياسية وليس فيها من الحق والموضوعية شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت