فهرس الكتاب

الصفحة 486 من 3028

ولقد شجعوا العقل على التفكير والحركة والحرية ولكن انتهى العقل العلماني من حيث بدأ .... أي لا يدري أين الحق؟ ولا كيف نصل إليه؟ ولم يعط إجابات محددة للأسئلة الكبرى التي تواجه الإنسان وهربوا من ذلك وقالوا النظريات والآراء كثيرة فاختر ما تشاء منها وطبقه على نفسك وإذا تعمقنا فيما قالوا سنكتشف أن ما يقولونه كارثة علمية ومصيبة كبرى ومعناه أنه لا يوجد علم ولا يوجد جهل فكلها آراء خذ ما تشاء منها، وإذا كانت العلمانية توصلنا إلى آراء متناقضة فإنه لا يوجد ما يحتاج أن ندرسه أو نتعلمه غير آراء متناقضة لكل واحد منها حججه، ولن يوجد هناك علماء لأنه لا يوجد علم أصلا، فعلماؤهم فلاسفة متناقضون. وجعلوا العالم عندهم هو الذي يقرأ ويكتب ويجادل ويعرف ماذا قال هذا الفيلسوف، أو ذاك الكاتب أي جعلوا الثقافة علما وهذا هو ضياعهم وكثيرون يجهلون أن العلمانية هي الفلسفة، وأن الفلاسفة هم الذين أنتجوا العقائد الرأسمالية والشيوعية والاشتراكية والنازية الخ وتناقض آرائهم جعلت باسكال يقول"الفلسفة كلها لا تستحق ساعة تعب"والتفلسف الحقيقي هو الهزء من الفلسفة"والفلسفة مضيعة للوقت" (1) . ولو انتقلنا إلى بعض الجهل الذي يردده بعض العلمانيين من العرب عندما يحاولون أن يقنعونا بأن اختلافات المسلمين كثيرة أي أننا مختلفون حول كل شيء، وأن كل ما عندنا آراء ونقول هذا غير صحيح، فنحن متفقون على كل ما في القرآن والسنة من حقائق تتعلق بصفات الله وأسمائه والجنة والنار والحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ومعاني العدل والحرية وغير ذلك كثير، كل هذا عندنا حق وحقائق ونور وصواب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أما الاختلاف الاجتهادي في الإسلام فله ضوابط وهو ضمن حدود، وللاجتهاد أهله من العلماء المسلمين وهو في قضايا فرعية، وليست رئيسة قال د يوسف القرضاوي"ليس الإسلام دعوة غامضة، ولا مادة هلامية، يفسرها كل من شاء بما شاء، فالإسلام له أصوله البينة الثابتة، ومصادره الواضحة المحكمة" (2)

(1) ص128 المقدمة في فلسفة الدين الأستاذ أديب صعب

(2) ص 24 الإسلام والعلمانية وجها لوجه د. يوسف القرضاوي

ومن أساليبهم الغريبة أنهم يأتون لحقائق واضحة مكتوبة بلغة عربية فصيحة فيجادلون في معانيها ويرفضون ما أتفق عليه علماء المسلمين فهم يريدون أن يجعلوا الإسلام آراء، فتراهم يجادلون في معنى الربا وفي شرعية الحجاب، وفي قتل المرتد وفي شرعية الحدود الخ.

ج- الجهل العلماني الأمريكي: نجح الأمريكيون في الوصول إلى حقائق مادية كثيرة في المجال الصناعي والعسكري والزراعي الخ ووصلوا كذلك إلى معرفة حقائق واقعية كثيرة تتعلق بأوضاع الدول والشعوب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ووصلوا وطبقوا حقائق كثيرة في علم الإدارة. ولكنهم من أكثر شعوب الأرض جهلا في مجال الحقائق الفكرية لأنهم علمانيون، وكل ما عندهم من اقتناعات ومبادئ فكرية لا تزيد عن نصف صفحة لعل أهمها فصل الدين عن الدولة والاحتكام للشعوب في التشريع واتباع الفلاسفة المتناقضين، ورفع شعارات الحرية والمساواة والعدل، وافعل ما تشاء في الجانب الاجتماعي فهذه حرية شخصية واترك القضايا العقائدية لأنها ما وراء الطبيعة ففي هذه السطور القليلة اختصروا العلم الفكري، ومن خلال هذه السطور يتعاملون مع الحياة فكل ما يتعلق بالله سبحانه وتعالى لا يعرفونه؟ ويجهلون كيف ننظم حياتنا الاجتماعية؟ وكيف تتعامل مع المال؟ وكيف نحارب التعصب العرقي والتبذير والكذب والغيبة والغرور والخيانة الزوجية؟ ولماذا أرسل الله سبحانه وتعالى الرسل؟ وما في التوراة والإنجيل والقرآن أمور لا يعتبرونها هامة ولو كان العلم الفكري يختصر في نصف صفحة وان هذا هو الحل السحري للقضايا التي تواجه الإنسان لما أرسل الله سبحانه وتعالى الرسل للبشر يعلمونهم العقائد والأحكام والأخلاق بل أن هذا الحل السحري لم يقبله الفلاسفة (علماء العلمانية) بدليل أنهم ألفوا الكتب حول الخالق والحياة والحرية والعدل والظلم والخير والشر الخ قال سقراط"إنني جاهل، وأعرف إنني جاهل، وأما هم فجهلة ويجهلون أنهم يجهلون"وقال آلان ود"برتراند رسل فيلسوف بدون فلسفة" (1) أي لم يصلوا إلى علم، وقال جوليان هكسلي"يجب أن نستعد لمواجهة الحقيقة وهي أن جهلنا بالحقائق النهائية سوف يستمر إلى الأبد بسبب فطرتنا المحدودة" (2)

(1) ص 29 الدين في مواجهة العلم الأستاذ وحيد الدين خان

(2) ص93 الدين في مواجهة العلم الأستاذ وحيد الدين خان

وأقول الأسلوب العلماني لا يؤدي إطلاقا إلى الوصول للحقائق الفكرية. وقال تعالى:"ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور" (40) سورة النور.

العلمانية لم تصنع العلم المادي

يظن كثير من الناس أن العلمانية هي أم العلم المادي، وأن من يتبنى العلمانية سيتقدم علميًا وتكنولوجيًا، وسيحقق التنمية والرخاء، وهذا من الأخطاء الشائعة وإليكم الأدلة:

1-من المعروف أن الإغريق حققوا نجاحا علميا جيدا في الرياضيات والفلك والإنشاءات والطب... الخ وهذه أمور تحققت قبل العصور الوسطى بقرون، كما أن الاختراعات والتقدم العلمي كان موجودًا في الصين ومصر الفرعونية والخلافة العباسية والدولة الأموية في الأندلس، فكان هناك صناعة وتجارة وزراعة فالأقمشة أشكال وأنواع وألوان ، والمنتجات الزراعية ، بضائع يتم المتاجرة بها، وهناك عجائب الدنيا السبع ..الخ. وكل هذا كان وراءه علم وتكنولوجيا وتجارب وتفكير وكتب ، وصحيح أن حجم هذا العلم محدود بما نعرفه اليوم ، ولكن كان هناك علم وتكنولوجيا، فالعلمانية ليست أم العلم المادي، ولا حتى خالته!!

2-التصادم الذي حدث بين رجال الكنيسة في أوروبا في العصور الوسطى وبين بعض علماء المادة لم يكن صراعا يشمل عداء لكل أنواع العلم المادي بل لأجزاء منه ظن رجال الكنيسة أنها تتعارض مع العقائد المسيحية بدليل أنه كان في أوروبا تقدم في مجال البناء والزراعة والأسلحة، ولا زلنا نشاهد مباني راقية في كثير من الكنائس المبنية منذ أكثر من ألف سنة، فالكنيسة لم تكن ضد العلم المادي بل ضد أجزاء صغيرة منه ولكن العلمانية نجحت في إقناع الناس بأن رجال الكنيسة ضد العلم، وضد التقدم، وضد العقل... الخ وقد يكون الناس استجابوا لذلك ليس تصديقًا لما يقول العلمانيون بل رغبة منهم في رفع ظلم رجال الكنيسة والإقطاع عنهم أي أن المسألة ليست ذات علاقة كبيرة بموقف الكنيسة النظري من العلم المادي، بل ذات علاقة بواقع التطبيق العملي في أوروبا، وتشجيع العلمانيين على العلم المادي، وتقدير علمائه كان محاولة لإيجاد عقيدة ومبادئ ينطلق منها العلمانيون في صراعهم مع الكنيسة، والطريف أن العلمانية ليست قائمة أصلًا على العلم المادي حتى ولو ادعت ذلك، فهي قائمة على عقائد واقتناعات الفلاسفة فيما يتعلق بالعقائد والاقتناعات والأحكام في حين العلم المادي يتعلق بالطب والهندسة والزراعة والفلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت