فهرس الكتاب

الصفحة 485 من 3028

أ- ما هو الجهل؟ سؤال قد يبدو غريبا، وقد يظن البعض أن الجهل اختفى من واقع البشر لأننا في القرن الواحد والعشرين حيث هناك آلاف الجامعات ومئات الملايين من أصحاب الشهادات الجامعية، وآلاف المعاهد البحثية، وأقول بداية أنا لا أتكلم عن العلم التكنولوجي من هندسة وطب وكيمياء الخ المتعلق ببناء المصانع والطائرات والمزارع والمستشفيات الخ بل أتكلم عن العلم الفكري المتعلق بالعقائد وحياتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، هذا العلم الذي يتعلق ببناء الإنسان. إن الجهل لا يتم القضاء عليه بالجامعات والكتب والشهادات إذا كانت الاقتناعات التي تكونها يختلط فيها الحق بالباطل والصواب بالخطأ، وكذلك لا يتم القضاء على الجهل بمعرفة نظريات وأراء الفلاسفة والمفكرين لأنها أراء متناقضة ضائعة تختلط فيها الحكمة بالحماقة، والنور بالظلام، إن من لا يؤمن بوجود الله سبحانه وتعالى مع وجود الأدلة الكونية والمنطقية على وجوده وعظمته وعلمه وقدرته ورحمته الخ هو إنسان شديد الجهل حتى لو حصل على أعلى الشهادات الجامعية، ومن لا يعرف ما الهدف من خلق الإنسان؟ وما جاءت به الرسل من مبادئ وأحكام وأخلاق؟ هو إنسان جهل أسباب سعادته وشقائه ومن يجهل كيف يبني أسرته على أسس صحيحة من العدل في الحقوق والواجبات سيكون إنسانا تعيسا، ومن لا يعرف كيف يتعامل مع مصائب الحياة ونعيمها ومع مجتمعه وما فيه من الخير والشر سيقع فريسة لليأس أو الغرور أو الأنانية أو الكراهية أو الحسد أو الانتقام أو المظاهر أو التبذير أو غير ذلك، وهذه الثمرات المرة هي ثمرات الجهل، وهي أمور نشاهدها في حياتنا في كل يوم. إن العلم الفكري يتعلق بعلاقتنا مع الله سبحانه وتعالى وعلى أساسه نبني علاقاتنا مع طموحاتنا وشهواتنا ومصالحنا، وعلى أساسه نحدد موقفنا مما في هذا العالم من عقائد واقتناعات وأحداث وأفراد وأحزاب وحكومات....الخ ولاشك أبدا بأن أهم أنواع العلم الفكري هو معرفة الله سبحانه وتعالى بصفاته وأسمائه ولماذا خلقنا؟ وما هي سننه في الكون؟ وهذا يسمى علم التوحيد، فمن لا يعرف أساسيات هذا العلم هو من أشد الناس جهلا ، ومن هنا ندرك جهل كثير من العلمانيين حيث نجدهم يعرفون عن المال والتجارة والأفلام والملابس الكثير ويعرفون الكثير عن أمريكا وتاريخها ومناطقها وقوانينها وأحزابها وصناعاتها الخ، ولا يعرفون إلا القليل جدا عن الله سبحانه وتعالى وكتبه ورسله! قال ابن تيمية:"إذا نظر في كلام معلمهم الأول .. أرسطو .. وتدبره الفاضل العاقل لم يفده إلا العلم بأنهم من أجهل الخلق برب العالمين، وصار يتعجب تعجبا لا ينقضي ممن يقرن علم هؤلاء بالإلهيات بما جاءت به الأنبياء" (1) وقال ابن تيمية:"وأما ما جاءت به الأنبياء فلا يعرفه هؤلاء ألبته، وليسوا قريبين منه، بل كفار اليهود والنصارى أعلم منهم بالأمور الإلهية، ولست أعني بذلك ما اختص الأنبياء بعلمه من الوحي الذي لا ينال غيرهم، فإن هذا ليس من علمهم، ولا من علم غيرهم، وإنما أعني العلوم العقلية التي بينها الرسل للناس بالبراهين العقلية في أمر معرفة الرب وتوحيده، ومعرفة أسمائه وصفاته، وفي النبوات والمعاد، وما جاءوا به من مصالح الأعمال التي تورث السعادة في الآخرة فإن كثيرا من ذلك لم يشموا رائحتها ولا في علومهم ما يدل عليها" (2)

(1) (2) ص203 رجال الفكر والدعوة في الإسلام ج2 الشيخ أبو الحسن الندوي

ولا يقتصر العلم على المعرفة، فمن يعرف الحق ولا يفعله فهو جاهل قال تعالى:"مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين" (5) سورة الجمعة كما أن هناك فرقا كبيرا بين الثقافة الفكرية والعلم فالثقافة هي أن تعرف عقائد ومبادئ وأحكام الإسلام والمسيحية والرأسمالية والشيوعية والبوذية الخ ولكنك لا تدري أي هذه المبادئ صحيحة؟ فالثقافة تعطيك معلومات ، والعلم يعطيك حقائق ويعترف العلمانيون بجهلهم عندما يقولون بأن ما يؤمنون به في مجال العقائد والمبادئ إنما هي آراء قالها فلاسفة ومفكرون، وليست حقائق أي علم، ومن الجهل أن يتمسك العلمانيون بالعلمانية مع اعترافهم بأنها توصلهم لآراء والأكثر من ذلك جهلا أنهم يقولون لا توجد في المجال الفكري حقائق! وهذا يعني أننا لن نصل إلى المعاني الصحيحة للعدل والحرية والأنظمة الاجتماعية الصحيحة الخ وبالتالي فلنستسلم للظن والشك والنسبية والحلول الوسط وأهواء ورغبات المجالس النيابية والمصالح والعصبيات الخ قال تعالى:"وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا" (28) سورة النجم. قال ابن تيمية"بل قد صرح أساطين الفلسفة ، بأن العلوم الإلهية لا سبيل فيها إلى اليقين ، إنما يتكلم فيها بالأحرى والأخلق ، فليس لهم فيها إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا" (1) فالعلماني الصادق يسير على أسس خاطئة حتى لو كانت نواياه طيبة، وقد قيل كم مريد للخير لن يصيبه، وقيل الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة.

ب- كارثة الآراء: الذين رفضوا الإسلام واتبعوا عقولهم العلمانية وصلوا إلى اجتهادات بشرية تجسدت في عقائد كالرأسمالية والشيوعية والاشتراكية والنازية والوجودية الخ مما أنتجته عقول الفلاسفة والمفكرين قال الدكتور يوسف القرضاوي"ومن ذلك كثير من نتائج العلوم الإنسانية والاجتماعية التي يريد بعض دارسيها أن يلبسوها ثوب العلم اليقيني وهي ليست أكثر من استنتاجات، مبنية على مقدمات غير يقينية قد يقبل بعضها ويرفض بعضها وقد ترفض كلها" (2)

(1) ص 202 رجال الفكر والدعوة في الإسلام ج2 الشيخ أبو الحسن الندوي

(2) ص63 الإسلام والعلمانية وجها لوجه د. يوسف القرضاوي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت