يقوم بعض مؤيدي العلمانية بين فترة وأخرى بإعطائها تعريفات جديدة منها أنها ظاهرة كونية معقدة وبسيطة في آن واحد، وأنها تعني المجتمع المدني، وأنها شأن بالغ التعقيد والتنوع وأنها تعني حقوق الإنسان وسيادة الأمة والديمقراطية ، ومبدأ فصل السلطات، وتعني الفصل بين التعليم الديني والتعليم المدني..الخ. لم يضف هذا التفسير للعلمانية جديدًا لأن هذه ليست العلمانية فالعلمانية تعني فصل الدين عن الدولة، وتعني رفض الإيمان الصحيح بالله سبحانه وتعالى، ورفض اتباع أنبيائه ودينه وهي تبني حياتها كدولة وأفراد على آراء واقتاعات الفلاسفة المتناقضين، وعلى الأهواء الشخصية، والشهوات، وهي المنبع الذي خرجت منه الشيوعية والاشتراكية والنازية والرأسمالية والوجودية والانتقائية...الخ. أي كل المبادئ الفاسدة، وهذا لا يعني أن كل ما تحت هذه المبادئ باطل وخطأ ، بل هناك بعض المبادئ الصحيحة كالعدالة الاجتماعية في الشيوعية، والسيادة للأمة في الرأسمالية (ليست على إطلاقها) ...الخ. أما القول بأن العلمانية تعني حقوق الإنسان والدولة المدنية فالخلاف بين المبادئ في العالم هو في تعريف حقوق الإنسان لا في ضرورة أن تكون للإنسان حقوق فلا يحق إذن احتكار حقوق الإنسان ونسبتها للعلمانية، أما الدولة الإسلامية فهي دولة مدنية منذ خمسة عشر قرنا فهي لا يحكمها رجال الدين، لأنه لا يوجد طبقة اسمها رجال الدين، ولا يتكلم حكامها بالنيابة عن الله، بل هم بشر يصيبون ويخطئون، ويكتسبون شرعيتهم من الشعب، وعندما يفرح الأوروبيون بالقضاء على الدولة الدينية المسيحية في العصور الوسطى فهذا من حقهم، ولكن ليس من حقهم القول أيها العالم نحن الذين اخترعنا الدولة المدنية. أما تعريف العلمانية بأنها ظاهرة كونية ليس مفهوما، فهل معناه أنها منتشرة عالميًا، وهذا شيء صحيح، ولكن هذا لا يعني أنها مبادئ صحيحة، فقد كانت الشيوعية منتشرة عالميًا، ومع هذا سقطت في سنوات قليلة كما يسقط نمر من ورق. أما التعريف الجديد والغريب فهي إنها شأن بالغ التعقيد، والتنوع، لأن هذا التعريف يعني أنها شيء ضبابي ومجهول، وليس له ملامح محددة، فإذا كان الأمر كذلك فلا شك أن الفكر العلماني سيكون أشد تعقيدًا وضبابية وسيكون أيضًا أكثر اختلافًا وضياعًا وسيصعب علينا نحن أعداء العلمانية أن نوجه سهامنًا لأنها ليست شيئا واضح المعالم، وأرجو أن يتراجع العلمانيون عن تعريفها بأنها شأن بالغ التعقيد والتنوع لأنه من السذاجة أن يدعو الناس للاقتناع بشيء لا يستطيع العلمانيون أنفسهم فهمه، لأنه"معقد"كأن المطلوب من الناس أن يعطلوا عقولهم، وأن يثقوا بالعلمانيين ويتبعوهم بدون تفكير. والطريف أن تعريف العلمانية بأنها شيء بالغ التعقيد صحيح لأن العلمانية خلطت مواضيع كثيرة مثل العقل والعلم الفكري والفلسفة والعلم المادي والحرية والواقع والتاريخ والظلم والديمقراطية..الخ. فهذا الخلط سيعطي صورة معقدة، لها فهي تفصل الدين وتبعده ومع هذا تقول بأنها ليست ضده، وهي تصفق لبعض آراء الفلسفة، وتكفر بآراء أخرى لهم، وتحديد ما يتم الإيمان به أو الكفر به من مبادئ متروك لعقل كل فرد يحدده كما يشاء، وهي تخلط العلم المادي بقضايا العلم الفكري قال تعالى: (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا) ومن الأمور الخاطئة الظن بأن العلمانية قائمة على العلم المادي لأن البعض يصفها بأنها فكر مادي وقد يكون المقصود بهذا الوصف أنها مجردة من الإيمان والروحانيات، وليس لها اهتمام بالأخلاق، وهذا فيه جزء كبير من الصحة، أما إذا كان المقصود أنها قائمة على العلم المادي فهذا ليس بصحيح فلا علاقة للكيمياء والفيزياء والفلك والطب... الخ بالعلمانية فلم تثبت التفاعلات الكيماوية أن فصل الدين عن الدولة من الحقائق، ولم نصل من خلال علم الطب للتعاريف التي تضعها العلمانية الرأسمالية للحرية وهكذا. ومعروف أن العلوم المادية موجودة في دول علمانية وإسلامية وبوذية، فنجد الكيميائي المسلم والكيميائي الشيوعي والكيميائي الرأسمالي ،أما الظن أن العلمانية قائمة على العلم المادي بمعنى دراسة واقع الإنسان كحياته الاجتماعية والسياسية، ثم بعد ذلك استنتاج العقائد والقوانين المناسبة له، فهذا شيء صحيح، وهذا أحد أساليب الفلاسفة في الوصول إلى مبادئهم، وهذا أسلوب خاطئ لأن الإنسان ليس مادة نطبق عليها أسلوب الوصول للحقائق المادية في العلوم المادية كالفيزياء حيث من خلال التجربة والمشاهدة والاستنتاج نستطيع أن نعرف أن الماء يغلي عند مئه درجة مئوية ونعتبر ذلك حقيقة تطبق على كل ماء لأن الأمر يختلف مع الإنسان، فليس لك إنسان يشكرك إذا عملت له معروفًا، بل البعض يقابل الإحسان بالجحود، فما هي الحقيقة التي سنصل إليها وتطبق على كل إنسان ؟ ولو تأملنا في واقع الشعوب والدول فقد نتفق على بعض المبادئ والأحكام كالمساواة العرقية بين البشر، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وحرية الرأي المعتدلة، ولكن الغالبية الساحقة من المبادئ والعقائد لن تستطيع الاقتناع بصوابها من خلال هذا الأسلوب. فدراسة الإنسان والشعوب والدول والتاريخ لن تحدد لنا صفات الله سبحانه وتعالى؟ ولماذا خلقنا؟ ولن تحدد لنا الحقوق والواجبات الزوجية العادلة؟ ولن تبين لنا كيف نربي أبناءنا تربية صحيحة؟ وكيف سنتعامل مع المال بطريقة صحيحة؟ وهكذا فالظن أن الوصول إلى المبادئ ينطلق من التأمل العقلي في الواقع ظن خاطئ لأن هذا الأسلوب لا يوصل أبدا إلى حقائق فكرية، فالعلمانية تحاول أن تتشبث بأي شيء حتى تثبت صحتها، فهي تدعي انتسابها للعلم المادي، وهذا ليس بصحيح، وقالت أنها تعتمد على العقل، وهذا أيضًا ليس بصحيح وهي بالتأكيد لا تستمد شرعيتها من الله سبحانه وتعالى والعلمانية هي آراء الفلاسفة وهذه الآراء قائمة على الظن والشك والنسبية، وما أقوله يعترفون به، ولا أدري لماذا يخجل بعضهم من ذلك، ويصر على ربط العلمانية بالعلم المادي والفكري، ولا شك في أن العلم الفكري هو الذي جاء به الأنبياء كموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم، ولو كان العلمانيون يعقلون لما تركوا الأديان السماوية لأن هناك انحرافات حدثت من المنتسبين، لأن التصرف العقلاني هو الالتزام بالدين الصحيح، ومحاربة الانحرافات والمنحرفين باسم الدين. قال تعالى" (قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل"(108) سورة يونس. وقال تعالى:"ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين" (85) كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (86) أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" (87) سورة آل عمران."
ما هو الجهل ؟